عقاب عليه، والمخيَّر بين الفعل والترك ظاهر ظهور الشمس بأنه لا عقاب عليه إن فعل، ولا عقاب عليه إن ترك، إذ هو مخير أن يفعل وأن يترك؛ فالله تعالى حين أوعد على مخالفة أوامره ونواهيه إنما أوعد العاصين، فقال: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا} ، وقال: {ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين} . فالوعيد إنما هو للعاصين، وتارك المندوب وفاعل المكروه ليسوا بعصاة، لأنّ الطلب منهم لم يكن جازمًا، سواء طلب الفعل، وطلب الترك، وما داموا ليسوا عصاة فلا يعذبون على فعلهم، الذي هو ترك المندوب وفعل المكروه، وترك المباح أو فعله أي أن الله لا يعاقبهم على أفعالهم، وما دام الله لا يعاقبهم فكيف يجوز للدولة أن تعاقبهم؟!. إن إيقاع الدولة للعقوبات المقدرة من قبل الشارع أمر لا جدال فيه، وهي كلها عقوبات على فعل حرام أو ترك فرض، وإيقاع الدولة للعقوبات غير المقدرة محددة بالتعزير، والتعزير هو عقوبة غير مقدرة على معصية لا حد فيها ولا كفارة، فهو محصور بالمعاصي، فلا يدخل تحته المندوب، ولا المكروه، ولا المباح، لأنّها ليست من المعاصي. وأما المخالفات فهي معصية، لأنّ الرسول يقول:"ومن يعص الأمير فقد عصاني"فتكون عقوبة على معصية، وعليه فإنّه لا توجد عقوبة إلاّ على المعاصي، وما ليس بمعاصي فلا عقوبة عليه. ومن هنا لا عقوبة على ترك الأفعال المندوبة، ولا على فعل الأفعال المكروهة، ولا على ترك المباح أو فعله، وحتى لو أمر بها أمير المؤمنين، فإن أمره بها لا يجعل القيام بها فرضًا، وتركها حرامًا، بل أمره بها هو تبني رأي شرعي من الآراء المتعددة بشأنها، وإلزام النّاس به، وترك غيره هو أمر بالشرع، لا أمر من عنده، فيبقى الأمر أمر الله، ويظل الحكم كما هو مندوبًا أو مباحًا أو مكروهًا كما جاء به الشرع. وبناء على هذا فإن الأفعال التي يعاقب عليها محصورة في فعلين اثنين هما. ترك الفروض، وفعل المحرمات.
أنواع العقوبات
العقوبات أربعة أنواع هي: الحدود، والجنايات، والتعزير، والمخالفات. أما الحدود فالمراد منها عقوبات المعاصي المقدرة لأجل حق الله. وسميت حدودًا لأنّها تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حدَّ لأجلها في الغالب، ويطلق الحد على نفس المعصية ومنه قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها} كما يطلق على عقوبة تلك المعصية. وكلمة حد وحدود بمعنى عقوبات المعاصي لا تطلق إلاّ على المعاصي التي فيها حق الله تعالى، ولا تطلق على غيرها، ولا يصح فيها العفو، لا من الحاكم، ولا من الذي اعتدى عليه، لأنّها حق الله، فلا يملك أحد من البشر إسقاطه، ولا بحال من الأحوال.
وأما الجنايات فإنها تطلق على التعدي على البدن، مما يوجب قصاصًا أو مالًا، فتشمل الاعتداء على النفس، والاعتداء على أعضاء الجسم. والمراد منها هنا العقوبات التي توقع على هذا التعدي. وهذه العقوبات فيها حق العبد، وما دامت متعلقة بحق العبد فإنّه يجوز لصاحب الحق أن يعفو، وأن يسقط حقه. قال الله تعالى: {فمن عُفي له من أخيه شيء} بعد قوله: كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر