والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى أي فمن عفا له أخوه في الدين من أولياء الدم عن شيء من حقهم في القصاص، مما يدل على جواز أن يعفو صاحب الحق في الجنايات عن حقه. وقد وردت أحاديث كثيرة تبين جواز أن يعفوا صاحب الحق. فعن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من أصيب بدم أو خبل (والخبل الجراح) فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفوا، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه"عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما عفا رجل عن مَظْلِمة إلا زاده الله بها عزًا"وعن أنس قال:"ما رُفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فيه القصاص إلاّ أمر فيه بالعفو". وهذه كلها أدلة على جواز العفو. وما دامت ليس فيها حق الله تعالى فإن عفو صاحب الحق يستوجب عفو الحاكم، فيعفو الحاكم عن المعتدي عفوًا تامًا، بمجرد صدور العفو من صاحب الحق. ولا يقال إن في هذه الجنايات حق عامة الرعية وهو الأمن، لا يقال ذلك لأنّ وجود حق فيها لعامة المسلمين يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولا دليل على ذلك. ولأنّ المعمول به في عصر الصحابة رضوان الله عليهم أنه كان إذا عفي عن المعتدي من قبل صاحب الحق أسقطت عنه العقوبة. فقد أخرج الطبراني:"أن عليًا رضي الله عنه أُتي برجل من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمّة فقامت عليه البينة: فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك؟ قال: لا، ولكن قتله لا يرد علي أخي، وعرضوا لي ورضيت، قال: أنت أعلم، من كان له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا"مما يدل على أن العفو عن المعتدي من قبل صاحب الحق يسقط عنه العقوبة.
وأما التعزير فهو عقوبة على معصية لا حد فيها ولا كفارة. فالمعصية إذا ارتكبت ينظر فيها، فإن كانت مما قدّر الله لها عقوبة معينة، أي كانت داخلة تحت الحدود، فإنّه يعاقب مرتكبها بالحد الذي شرعه الله ولا تعزير، وكذلك إن جعل لها كفارة معينة فإنّه يجبر مرتكبها على الكفارة. وأما إن لم تكن داخلة تحت الحدود، ولم يجعل الشارع كفارة لها، فإنها تدخل تحت عقوبة التعزير. وأما التعدي على البدن فلا تعزير فيه لأنّ عقوباته قد بينها الشارع.
والتعزير يختلف عن الحدود والجنايات فالحدود والجنايات عقوبات مقدرة معينة من الشارع، وهي لازمة ولا يجوز استبدالها ولا الزيادة والنقصان فيها، أما التعزير فهو عقوبة غير مقدرة بعينها، ولا لازمة بعينها. وأيضًا فإن الحدود والجنايات لا تقبل العفو، ولا الإسقاط من قبل الحاكم إلاّ العفو من صاحب الحق في الجنايات وهذا بخلاف التعزير، فإنّه يقبل العفو والإسقاط. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يعزر من قال له: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، وعفا عنه، مع أن القائل ارتكب معصية تستحق العقوبة. ثمّ إن الحدود والجنايات لا تختلف باختلاف النّاس، فجميع النّاس فيها سواء لعموم الأدلة بخلاف التعزير فإنّه يجوز أن يختلف باختلاف النّاس، فتراعى فيه عدم السوابق، وأصحاب السلوك الحسن، وغير ذلك، فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلاّ الحدود"والمراد بعثراتهم هنا مخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، بدليل قوله"إلا الحدود"فهو قرينة على المعنى المراد، وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم