قال:"الأنصار كرشي وعيبتي والناس سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم"والمراد بالتجاوز العفو، والمسيء يشمل مرتكب المعصية لأنّه مسيء. فهذا كله يدل على أن التعزير يصح فيه أن يختلف قدر العقوبة باختلاف أحوال النّاس وظروفهم، فيعاقب شخص على معصية بالسجن، ويعاقب شخص آخر على نفس المعصية بالتوبيخ، أو اللوم والتأنيب.
وأما المخالفات فهي العقوبات التي يوقعها الحاكم على من يخالف أوامر السلطان، سواء الخليفة أو غيره من المعاونين والولاة والعمال ونحوهم، ممن عمله من أعمال الحكم، وكانت له صلاحية في إعطاء الأوامر. فهذه العقوبة على مخالفة الأمر هي عقوبة المخالفة، وكذلك تطلق المخالفة على نفس الفعل الذي خالف فيه أمر الحاكم، فهي تطلق على الفعل وتطلق على عقوبة الفعل. وإنما جعلت المخالفة عقوبة من العقوبات التي أمر بها الشارع، لأنّ مخالفة أمر الحاكم معصية من المعاصي، فإن الله قد أمر بطاعة أولي الأمر بصريح القرآن. قال تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وأمر بطاعة الأمير بصريح الأحاديث، عن أم الحصين الأحمسية أنّها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"اسمعوا وأطيعوا وان أُمِّر عليكم عبدٌ حبشي ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل"وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمِل عليكم عبد حبشي كأنّ رأسه زبيبة"فهذا دليل على وجوب طاعة الأمير، واليًا كان أو عاملًا، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني"وفي رواية أخرى"ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني"فهذا صريح بأن مخالفة الحاكم معصية. ومن هنا كانت عليها عقوبة، وبما أن الشارع لم يعين لها عقوبة معينة فإن للقاضي أن يقدر العقوبة عليها، وللحاكم أن يقدر العقوبة التي يراها على تلك المعصية، ولهذا فإن بعض الفقهاء يدخلون المخالفات في باب التعزير، لأنّها عقوبة على معصية لم يقدرها الشارع، لكن الحق أنها ليست من باب التعزير، لأنّها ليست مخالفة لأمر الله، والتعزير خاص بمخالفة أوامر الله ونواهيه، وهذه ليست كذلك، ولكنها لأنّها مخالفة لأمر الله بطاعة الحاكم، فكانت عقوبة خاصّة يقدرها الحاكم، وبقدر ما تستحق مخالفته من أوامره ونواهيه من عقوبات، وعليه فإن المخالفات خاصّة بمخالفة الأوامر التي يصدرها الحاكم من عنده، لما له من صلاحيات أعطاه إياها الشرع.
وينبغي أن يعلم أن الأوامر التي يصدرها الحاكم من عنده، سواء أكانت من نوع المأمورات، أم من نوع المنهيات محصورة فيما جعل الشرع له أن يدبره برأيه واجتهاده، وذلك كإدارة بيت المال، وكإقامة المدن، وتنظيم الجيوش، وغير ذلك. فهذه التي جعل الشارع له أن يقوم بها برأيه واجتهاده هي التي له أن يأمر فيها بأشياء، وينهى عن أشياء، وهذه هي التي تعتبر مخالفته فيها معصية. عملًا بحديث:"ومن يعص الأمير فقد عصاني"وهذه هي التي تدخل تحتها المخالفات، أما غيرها فلا تعتبر من المخالفات، ولو أمر بها أمير المؤمنين. وذلك أن الخليفة لا يحّل حرامًا، ولا يحرّم حلالًا، فلا يحل له أن يجعل المندوب أو المباح واجبًا، ولا أن يجعل المكروه