وفساد المجتمع، أليس من الأنفع للمجتمع أن تقطع يدٌ كلَّ عام، ويشيع الأمن بين الناس، ويطمئن الناس على أموالهم وأعراضهم، بدلا من إشاعة الخوف في نفوسهم وقلوبهم من أولئك الذين يرتكبون جرمًا في حق أنفسهم قبل أن يرتكبوا جرمًا أعظم في حق الناس.
ثم إن الناظر إلى تطبيق الحدود يعلم أن هذا التطبيق يمنع ارتكابه وتكرره مرة أخرى، وإن إقامة الحدود في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين لم يتعد حدود أصابع اليدين، ثم إن اللين لا يجدي في كل موقف من المواقف، بل القسوة والشدة لهما أثرهما في الإصلاح أحيانا كثيرة.
والإسلام حين وضع الحدود لم يكن يهدف من ورائها إشباع شهوة تعذيب الناس، بل يطبق الحدود في حدود ضيقة، فيدرأ الحد بأدنى شبهة، ولا يقام إلا إذا وصل إلى الحاكم المسلم، فإن لم يصل، فللذى ارتكب الحد أن يتوب إلى الله تعالى.
ولقد أخرج المجتمع الإسلامى الأول أناسا ارتكبوا حدودًا، وكان لهم أن يستروا على أنفسهم، لكنهم كانوا هم الذين يذهبون بأنفسهم لإقامة الحد عليهم، أفبعد ذلك كله، يأتى من يجهلون الإسلام ويقولون: إن الحدود تعذيب وقسوة؟! بل إن الحدود حفاظ ورحمة.
الحدود
أصل الحدّ ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وحدّ الدار ما يميزها، وحدّ الشيء وصفه المحيط به، المميز له عن غيره، وسميت عقوبة الزنا ونحوها حدًا لكونها مقدرة من الشرع، وقد تطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي، كقوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها} وتطلق على شرائع الله ومحارمه. كقوله تعالى: {وتلك حدود الله ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه} وحدود الله محارمه. والحدود اصطلاحًا عقوبة مقدرة شرعًا في معصية، لتمنع من الوقوع في معصية مثلها. والمعاصي المتفق على أن عقوبتها من الحدود، أي الواجب الحدّ بها ستة هي: الزنا واللواط، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والردة، والحرابة أي البغاة. وقد ورد التحذير من جميع هذه الحدود، فقد ورد التحذير من الزنا في القرآن والحديث، قال تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع النّاس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن"وورد التحذير من اللواط في القرآن والحديث. أما القرآن فإن الله قد سمى فيه اللواط فاحشة فقال: {ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون} وبين عقاب الله لقوم لوط بأنه عاقبهم بالخسف. قال تعالى: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود} وقد قص الله علينا ذلك لنتعظ به، وأما الحديث فقد روى محمد بن إسحق عن عمرو بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ملعون من عمل عمل قوم لوط"وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا"