وكترتيب الموازين وهكذا ... وما عدا ذلك فلا حق له، وأما المصلحة فليست دليلًا شرعيًا فلا ترتب عقوبة بناء عليها.
نِظام الجَريمَة والعقوبَة
تمهيد
379 -في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم احكام كثيرة تبين الافعال والتروك المحرمة التي يعاقب مرتكبها. وهذه الاحكام وما ينبني عليها أو يتفرع منها تكون ما يمكن تسميته بنظام الجريمة والعقوبة في الاسلام أو بالقانون الجنائي الاسلامي. والقانون الجنائي الاسلامي في أصله قانون عالمي، لأنه جزء من الشريعة الاسلامية، وهي بطبيعتها شريعة عالمية لا اقليمية، أراد مشرعها - وهوالله جل جلاله - تطبيقها على كافة الناس في جميع بقاع الأرض، وهم مخاطبون بأحكامها، مطالبون بتنفيذها، ولكن لعدم ولاية دار الإسلام على ما سوى اقليمها فقد تعذر تطبيقها في خارج اقليمها، أما في داخل اقليم الاسلام، فيجب التطبيق، لأن الولاية فيها للمسلمين، وفي هذا المعنى يقول الامام ابو يوسف"ولان الشرائع هو العموم في حق الناس كافة إلا انه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية وامكن في دار الاسلام فلزم التنفيذ فيها" [1] وعلى هذا فإن احكام القانون الجنائي الاسلامي تبطق على جميع الجرائم التي تقع في دار الاسلام بغض النظر عن جنسية مرتكبها أو ديانته، وهذه هي القاعدة العامة. إل أن في بعض جزئياتها اختلافًا قليلًا بين الفقهاء بالنسبة للذميين، واختلافًا أكثر بالنسبة للمستأمنين [2] فمن ذلك أن جمهور الفقهاء استثنوا الذميين والمستأمنين من عقوبة شرب الخمر باعتبار أنهم يعتقدون حلها. وعند الظاهرية تجب عليهم عقوبة شرب الخمر شأنهم في ذلك شأن المسلمين [3] . وبعد هذا التمهيد نتكلم عن الجريمة أولًا ثم عن العقوبة ثانيًا، في فرعين متتاليين.
الفرع الأول - الجريمة
تعريف الجريمة
380 -عرف فقهاء الشريعة الإسلامية الجرائم بأنها محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد او تعزير [4] ، ويفهم من هذا التعريف ان الجريمة في الاصطلاح الفقهي يجب أن تتوفر فيها الأمور الآتية:
أ) أن تكون من المحظورات الشرعية، أي مما نهى عنه الشرع الإسلامي نهي تحريم لا نهي كراهة بدليل وجوب العقاب على مرتكب هذه المحظورات، والعقاب لا يجب إلا على ترك واجب أو فعل محرم، فيكون المقصود من المحظورات الشرعية: ترك واجب أو فعل محرم.
ب) أن يكون تحريم الفعل أو الترك من قبل الشريعة الاسلامية فان كان من غيرها فلا يعتبر المحظور جريمة.
ت) أن يكون للمحظور عقوبة من قبل الشرع الاسلامي سواء أكانت هذه العقوبة مقدرة وهي التي يسميها الفقهاء بـ"الحد"، أو كان تقديرها مفوضًا الى رأي القاضي وهي التي يسميها الفقهاء"التعزير"، فاذا خلا الفعل او الترك من عقوبة لم يكن جريمة.