زوجته والأب يضرب ولده) ولكن تعبير الحديث بلفظ"مَنْ"بقوله:"مَنْ بلغ حدًّا"وهي من ألفاظ العموم ولم يرد ما يخصصه بغير الوالي يمنع هذا التأويل، ولكن تفسير الحديث بأن المراد منه من بلغ حدًا في عقوبة معينة في غير ما وضعت له فهو معتد، أما لو أوقع عدة عقوبات، ولم يبلغ فيها جميعها الحد فإنّه لا ينطبق عليه أنه من المعتدين.
وتقدير عقوبة التعزير الاصل فيه أنه للخليفة، ولكن يجوز أن يجعله لاجتهاد القاضي، ويجوز أن يمنع القاضي من تقديرها، ويقدرها له، فإن القاضي نائب عن الخليفة، والقضاء يتخصص بالزمان والمكان والحادثة، فيجوز أن يخصصه ببعض القضايا، فيمنعه من تقدير العقوبة في التعزير مطلقًا، أو يمنعه من تقديرها في بعض القضايا، ويعطيها له في بعضها الآخر، ومهما يكن من أمر فإن عقوبة التعزير حين تقدر لا تخرج عن واحد من الأحكام الشرعية، ذلك أن الفعل إما أن يكون فرضًا، وإما أن يكون مندوبًا، وإما أن يكون مباحًا، أو يكون حرامًا، أو مكروهًا، ولا يخرج عن واحد من هذه الخمسة. إلاّ أن المباح هو تخيير للمكلف بأن يفعل الفعل أو يتركه، ولذلك لا يكون فاعله مخالفًا لأوامر الله ونواهيه، بل يكون في حالة فعله أو حالة تركه متبعًا لأوامر الله ونواهيه، وفي اختيار ما خيره الشرع فيه، أما المندوب والمكروه فإن الله تعالى لم يرتب عليهما عقوبة، فلم يرتب عقوبة على ترك المندوب، ولا على فعل المكروه، فلا يصح للدولة أن ترتب عليهما عقوبة، لأنّ ترتيب العقوبة يعني الالزام بفعل المندوب، وهذا يعني جعله فرضًا، والالزام بترك المكروه، وهذا يعني جعله حرامًا، والدولة لا يحل لها أن تجعل المندوب فرضًا، والمكروه حرامًا، ولذلك لا يحل لها أن تضع عقوبات تعزيرية على ترك المندوب، وفعل المكروه، ولذلك لا تدخل المباحات، والمندوبات، والمكروهات في أبحاث العقوبات.
بقي من الأبحاث ترك الفرض، وفعل المحرّم. أما ترك الفرض فلأن الله رتب عقوبة عليه، فتارك الصلاة، والممتنع عن صيام رمضان، أو عن الزكاة، أو عن أداء حق لآدمي، وما شاكل ذلك كلها ترك للفرض. وقد أوعد الله تارك هذه الفروض بالعذاب. وأما فعل المحرّم فلأن الله رتب كذلك عقوبة عليه، فقاذف غيره بغير الزنا، وكانز المال، والمختلس، والجاسوس، وما شاكلها كلها فعل المحرّم، وقد أوعد الله فاعل هذه المحرمات بالعذاب، فلا كلام في أن على الحاكم أن يقدر عليها عقوبات التعزير، لأنّها كلها معاص، إذ ترك الفرض، وفعل المحرم، كل منهما معصية تجب العقوبة عليها. ومن هذا كله يتبين أن الخليفة حين يرتب عقوبات معينة من عقوبات التعزير يجب أن يتقيد بما رتب الله عليه عقوبة فحسب، ولا يصح أن يتجاوز ذلك، فيجب أن تحصر عقوبة التعزير بترك الفرض، وفعل المحرم، ولا يجوز أن يتعدى ذلك مطلقًا. وأما ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من أنهم عاقبوا على ترك بعض المندوبات، وعلى فعل بعض المكروهات، فإن ذلك لا يصلح دليلًا إلاّ إذا كان إجماعًا ولم يرو الاجماع في ذلك.
وكما أنه لا يجوز أن يعزر على فعل المكروه، وترك المندوب أو المباح كذلك لا يجوز أن توضع عقوبة التعزير بحجة رعاية الشؤون، أو باسم المصلحة فإن رعاية الشؤون محصورة فيما جعل للامام أن يدبره برأيه واجتهاده، كتخطيط المدن،