في غير حد فهو من المعتدين"وقالوا إن العقوبة على قدر الإجرام والمعصية، والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها، فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين أعظمها. وقال مالك يجوز أن يزاد التعزير على الحد، إذا رأى الإمام، لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتمًا على نقش خاتم بيت المال، ثمّ جاء به صاحب بيت المال فأخذ مالًا، فبلغ عمر رضي الله عنه فضربه مائة وحبسه، فكلم فيه فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه، وروى أحمد بإسناده أن عليًا أُتِيَ بالنجاشي قد شرب خمرًا في رمضان فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطًا لفطره في رمضان، وأكثر الفقهاء على أن التعزير لا يصح أن يزيد على مقدار الحد."
غير أنه بامعان النظر يتبين أن الشرع قد جعل تقدير عقوبة التعزير للخليفة، أو الامير أو القاضي مطلقًا، يرجع فيه إلى اجتهاده فيما يراه، وما يقتضيه حال الشخص وما يستوجبه واقع الجريمة، وواقع وضعها في البلد. فهو متروك للاجتهاد فتقييد الاجتهاد بحد أعلى أو بحد أدنى هو تحديد، فيجعله حدًا وهو ينافي كونه تعزيرًا، وينافي تركه لاجتهاده، وأيضًا فإن بعض الجرائم غير الحدود قد تكون أفظع من الحد، فمثلًا الادمان على المخدرات كالحشيش والأفيون أفظع من شرب الخمر، وسرقة مبالغ ضخمة من بيت المال أفظع من سرقة متاع ثمنه ربع دينار من رجل من النّاس وهكذا، ثمّ إن هناك جرائم يمكن أن تؤدي إلى تمزيق وحدة الأمّة، كالدعوة إلى القومية، أو إلى الاقليمية أو ما شاكل ذلك. لهذا فإن القول الحق أن لا يقدر التعزير بحد أعلى ولا بحد أدنى، بل يترك لاجتهاد الخليفة، أو الامير ثمّ لاجتهاد القاضي.
وأما حديث"ومن بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين"فإنّه يحمل على نوع العقوبة التي عاقب بها لا يصح أن تزيد عما قدره الشرع من العقوبة بها، أما أن يزيد بعقوبة من غيرها فلا يمنع ذلك الحديث، فمن بلغ في عقوبة القبلة حد الزنا فهو من المعتدين، أي إذا جلد عليها مائة جلده فهو من المعتدين، ولكن إذا جلد عليها تسعين جلده، مع حبس ثلاث سنوات، ونفي سنة، فإن هذه الزيادة من غير الحد لا يمنعها الحديث. فمثلًا لو أن رجلًا أتى من أمه أو ابنته أو أخته أو أحد محارمه جميع ما يأتي الرجل من امرأته من قبل ومداعبة ومفاخذة وغير ذلك إلاّ أنه لم يجامعها، فهل مثل هذا الرجل لا يبلغ القاضي في عقوبته حد الزنا؟ أم أنه يجلده دون حد الزنا، ويوقع به عقوبات أخرى كالحبس والنفي والغرامة وغير ذلك، ومثلًا لو أن شخصًا مدمنًا على الافيون وقد عوقب أكثر من مرة ولم ينزجر، فهل مثل هذا الرجل لا يبلغ القاضي في عقوبته حد شارب الخمر؟ أم أنه يجلده دون حد الشرب ويوقع به عقوبات أخرى كالكي بالنار، والحبس والنفي وغير ذلك؟
إن الحديث ينهى عن بلوغ الحد، في غير الحد، والحد عقوبة معينة في جريمة معينة، فهذه العقوبة المعينة لا يتجاوزها، ولكن أن يوقع غيرها فإنّه غير داخل في النهي فيبقى لاجتهاد القاضي.
هذا ما يفهم من الحديث بأنه ينهى عن تجاوز العقوبة المعينة، ولا يشمل نهيه عدم إيقاع غيرها من العقوبات، وقال الشوكاني: (ذكر بعض المتأخرين أن الحديث محمول على التأديب الصادر من غير الولاة، كالسيد يضرب عبده، والزوج يضرب