فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنَةً فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثلية والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجَرين فبلغ ثمن المِجَن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثلية والعقوبة"وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم"حبس رجلًا في تهمةٍ ساعةً من نهار، ثمّ أخلى سبيله، وأنه حكم بالضرب، وبالسجن". وروي ان عمر قضى بالجلد على من زور كتابًا لبيت المال، ووضع عليه بصمة خاتم اصطنعه على نقش خاتم بيت المال، وقدمه لأمين بيت المال، وأخذ منه مالًا. وعليه فالتعزير ثابت بالسنة، وقد سار عليه الصحابة من بعد."
والتعزير مشروع لكل ما لم يعين الشارع له عقوبة مقدرة، أما ما أورد الشرع فيه عقوبة فيعاقب مرتكبه بالعقوبة التي قدرها الشارع، فكل ما لم يقدر له الشارع عقوبة ترك للحاكم أن يقدر له عقوبة، وقد أطلق على هذه العقوبة اسم التعزير.
ومن تتبع الجرائم، أي الأفعال القبيحة التي قبحها الشرع وهي الذنوب، وتتبع العقوبات التي وردت مقدرة من الشارع، يتبين أن التعدي على البدن قد جعل الشارع له عقوبات مالية، ما عدا القتل العمد فإن عقوبته القتل، إن لم يعف ولي المقتول، وما عداه فعقوبته عقوبة مالية، ما عدا السن في العظام، وما عدا الجراح. فباقي أنواع القتل عقوبتها عقوبات مالية، والجناية على الأعضاء وفي الشجاج عقوبات مالية، وفي العظام عقوبات مالية، ما عدا السن، وفي الجراح عقوبات بدنية وعقوبات مالية. وقد جاء الشرع بتقدير هذه العقوبات المالية فقدرها مبالغ معينة، وما لم يقدر لها مبالغ معينة فقد جعل فيها الحكومة. وعلى ذلك فإن التعزير لا يدخل في التعدي على البدن، ولا محل له في ذلك. ولا يقال إن التعدي على البدن دون إحداث بتر أو كسر أو جرح أو تلف أو خدش يستحق عقوبة التعزير، لا يقال ذلك لأنّ التعدي على البدن قد جاء الشرع بأحكامه، ولم يأتِ بأحكام لهذه فليس عليها التعزير، إلاّ إن عطلته عن العمل أو ألحفت به إهانة.
وأما المعاصي وهي عدم القيام بالفرض، والقيام بفعل الحرام، فانا وجدنا الشارع قد قدر عقوبات معينة لهذه المعاصي، كالسرقة وقطع الطريق، والردة وغيرها مما قدر له الشارع عقوبات معينة، وهذه هي الحدود، ووجدنا أن الشارع لم يقدر عقوبات معينة إلاّ لستة أشياء، أي الحدود، وما عداها لم يقدر لها عقوبات معينة، فهذه التي لم يقدر لها الشارع عقوبات معينة من المعاصي هي التعزير، فالتعزير إنما يأتي فيما هو من جنس الحدود ونوعها مما لم يرد له عقوبة مقدرة، ولا يأتي للتعدي على البدن.
وتقدر عقوبة التعزير على قدر الجريمة، فالجريمة الكبيرة تقدر لها عقوبة كبيرة، حتى يتحقق معنى العقوبة وهو الزجر، والجريمة الصغيرة تقدر لها عقوبة تزجر عن مثلها، ولا تقدر أكثر من ذلك، حتى لا تكون ظلمًا للمذنب. وهل يطلق تقدير العقوبة لصاحب الصلاحية، أي للخليفة أو القاضي فيقدرها بما يراه يزجر، أم أنه مقيد بما لا يزيد عن الحد؟ لقد ذكر بعض الفقهاء بأن التعزير لا يصح أن يزيد عن الحد، فقالوا: يشترط أن لا يبلغ التعزير مقدار الحد الذي وجب في نوع المعصية، واستدلوا على ذلك بما روي عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ومن بلغ حدًا"