فهرس الكتاب

الصفحة 4500 من 7068

كل بالغ عاقل إذا ارتكب شيئًا من جرائم التعزير سواء كان ذكرًا أو أنثى، مسلمًا كان أو كافرًا، أما الصبي العاقل فيعزر تأديبًا لا عقوبة [11] .

الفرع الثاني - العقوبة

تمهيد

386 -قلنا: إن الجزاء في الشريعة الإسلامية أخروي ودنيوي [12] ، وان الأصل في الجزاء في الشريعة هو جزاء الآخرة ولكن مقتضيات الحياة وضرورة استقرار المجتمع وتنظيم علاقات الأفراد على نحو واضح وضمان حقوقهم كل ذلك دعا الى أن يكون مع الجزاء الأخروي جزاء دنيوي، وهذا الجزاء هو العقوبة التي توقعها الدولة على من يرتكب محرمًا او يترك واجبًا، أي يرتكب جريمة، وبهذا العقاب تنزجر النفوس التي لم ينفعها الوعظ والتذكير. والحقيقة أن الشريعة الإسلامية تعنى بإصلاح الفرد إصلاحا جذريًا عن طريق تربيته على معاني العقيدة الإسلامية، ومنها: مراقبته لله وخوفه منه واداء ما فترضه عليه من ضروب العبادات، وهذا كله سيجعل نفسه مطواعة لفعل الخير كارهة لفعل الشر بعيدة عن ارتكاب الجرائم، وفي هذا كله أكبر زاجر للنفوس. وبالإضافة الى ذلك فان الشريعة تهتم بطهارة المجتمع وإزالة مفاسده، ولهذا ألزمت أفراده بإزالة المنكر. ولا شك ان المجتمع الطاهر العفيف سيساعد كثيرًا على منع الإجرام وقمع المجرمين. وسيقوي جوانب الخير من النفوس ويسد منافذ الشر التي تطل منها النفوس الضعيفة، وفي هذا ضمان أيضا لتقوية النفوس وإعطائها مناعة ضد الإجرام.

ولكن مع هذا كله، فقد تسول للبعض نفوسهم ارتكاب الجرائم. فكان لا بد من عقوبة عاجلة توقعها الدولة الإسلامية عليهم زجرًا لهم من العودة إليها وردعًا للآخرين الذين قد تسول لهم أنفسهم ارتكاب الجريمة، وفي هذا استقرار للمجتمع وإشاعة للطمأنينة فيه، كما أن في إنزال العقاب بالمجرمين مصلحة لهم كما سنبين.

هذا وإن العقاب الدنيوي للمجرم لا يمنع العقاب الأخروي ما لم تقترن به التوبة النصوح، قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} سورة المائدة الآية: 33. ومن تمام التوبة النصوح التحلل من حق الغير إن كان إجرامه مس هذا الحق. ويؤيد ما قلناه ايضًا الحديث الشريف"إن السارق إذا تاب سبقته يده الى الجنة، وان لم يتب سبقته يده الى النار" [13] فهذا السارق الذي قطعت يده تسبقه يده المقطوعة الى الجنة ان تاب وإلا سبقته الى النار.

تشريع العقاب من رحمة الله بعباده

387 -وتشريع العقاب الدنيوي في الشريعة الإسلامية من مظاهر رحمة الله بعباده، لأنه يزجر الإنسان عن ارتكاب الجريمة فيتخلص من الاثم. وإذا وقع في الجريمة، فان العقوبة في حقه بمنزلة الكي بالنسبة للمريض المحتاج إليه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل، فان بهذا القطع وذلك الكي مصلحة له وابقاء لحياته، وايقافًا للمرض من السراية واهلاك الجسم كله، كما ان في هذا العقاب للمجرم مصلحة مؤكدة للمجتمع كما أشرنا من قبل لما يترتب عليه من اطمئنان الناس على حياتهم وأموالهم واخافة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت