فهرس الكتاب

الصفحة 4622 من 7068

أعمال فرعية، يجوز للخليفة أن يأمر بواحد منها، وأن يُلزِم الناس به دون غيره، وحينئذٍ وجبت طاعته، لأنه إلزام بتوابع حكم تبناه الخليفة، والإلزام به يقضي ترك ما سواه، أي منعه، وهو كتبنّي الأحكام سواء بسواء، ولا يخرج فيه عن الأحكام الشرعية. ولا يقال إن هذه الأساليب مباحة فلكل شخص أن يقوم بالأسلوب الذي يراه، فإذا ألزمَ الخليفة بمباح مِن المباحات، ومنع مباحًا آخر يكون قد حَرّم المباح، لا يُقال ذلك لأنه في تبنيه لأسلوب معين لا يكون قد أوجب مباحًا، وحرم مباحًا آخر، بل فعل ما جعله له الشرع من تبني الأحكام، وما يوصل إلى القيام بها، فصلاحيته في تبني الحكم هي صلاحيتة كذلك في تبني ما يوصل إلى القيام به، ولذلك كان له أن يتبناه، وعلى الرعية أن تَلتَزِم ما تبناه، ولا يصح أن تقوم بغيره إذا منعها منه. على أن هذا المباح هو المباح الذي يستعمل لرعاية الشؤون، فهو مباح للخليفة للرعاية بحسبه. لأن الرعاية له، وليس مباحًا لكل الناس، لأنهم لا يملكون صلاحيات الرعاية، ولهذا يكون وجوب التزام ما تبناه الخليفة فيه من باب وجوب الطاعة، لا من باب جعل المباح فرضًا.

التفصيلات الإدارية

هذا بالنسبة للإدارة من حيث هي، أما بالنسبة لتفصيلات الإدارة فإنها مأخوذة من واقع هذه الإدارة، إذ بالتدقيق في واقعها يتبين أن هناك أعمالًا يقوم بها الخليفة نفسه، أو معاونوه، سواء كانت من الحكم، أي تنفيذ الشرع، أو من الإدارة، أي قضاء المصالح الفرعية للناس، وهذه تحتاج إلى أساليب ووسائل، ومن هنا كان لا بد من جهاز خاص بالخليفة، لإدارة الشؤون التي يحتاجها للقيام بمسؤوليات الخلافة، ويتبين أيضًا أن هناك مصالح للناس يريدون قضاءها، وهي متعلقة بالرعية، وهذه تحتاج إلى أساليب ووسائل للقيام بها، ومن هنا كان لا بد من جهاز خاص لقضاء مصالح الناس.

وهذا الجهاز يتكوّن مِن مصالح ودوائر وإدارات. والمصلحة هي الإدارة العليا لأية مصلحة مِن مصالح الدولة، كالتعليم، والصحة، والزراعة، والصناعة وغيرها. وهذه المصلحة تتوَلّى إدارة المصلحة ذاتها، وما يتبعها مِن دوائر وإدارات. والدائرة هي التي تتوَلّى شؤون الدائرة نفسها، وما يتبعها من إدارات. والإدارة هي التي تتوَلّى شؤون الإدارة ذاتها، وما يتبعها من فروع وأقسام.

وهذه المصالح والدوائر والإدارات إنما تُنشَأ وتُقام لأجل النهوض بشؤون الدولة، ولأجل قضاء مصالح الناس.

ولضمان سير هذه المصالح والدوائر والإدارات لا بُدَّ مِن تعيين مسؤولين لها. فيُعيَّن لكل مصلحة مدير عام يتوَلّى إدارة شؤون المصلحة مباشرة، ويشرف على جميع الدوائر والإدارات التابعة لها. ويُعيّن لكل دائرة، ولكل إدارة مدير يكون مسؤولًا عنها مباشرة، وعمّا يتبعها مِن فروع وأقسام.

وهذا شرح لواقع إدارة المصالح، أو ما يسمى بإدارات الدولة، بأنها جهاز عام لجميع الرعية، ومَن يعيشون في ظل سلطان الدولة، وقد أُطلِق عليها اسم (الديوان) . وإدارة المصالح أو الديوان لم تكن موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بترتيب خاص، بل كان يُعيّن لكل مصلحة كاتبًا، فهو المدير، وهو الكاتب، وهو كل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت