فهرس الكتاب

الصفحة 4623 من 7068

وأول مَن وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وسبب وضعه للديوان أنه بعث بعثًا وكان عنده الهرمزان فقال لعمر: هذا بعث قد أعطيتَ أهله الأموال، فإن تَخلَّف منهم رجل وآجل بمكانه فمن أين يعلم صاحبك به؟ فأثْبِتْ لهم ديوانًا، فسأله عن الديوان ففسَّره له. وروى عابد بن يحيى عن الحارث بن نُفْيل أن عمر رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الدواوين، فقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: تَقسِم كل سنة ما اجتمع إليك مِن المال ولا تُمسِك منه شيئًا. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه أرى مالًا كثيرًا يسع الناس فإن لم يُحصَوا حتى يُعرَف مَن أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر، فقال الوليد بن هشام بن المغيرة قد كنت بالشام فرأيت ملوكها قد دَوَّنوا ديوانًا، وجَنَّدوا جنودًا، فَدوِّن ديوانًا، وجَنّد جنودًا، فأخذ بقوله، ودعا عَقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم وكانوا من نُسّاب قريش وقال: «اكتبوا الناس على منازلهم» .

ثم بعد ظهور الإسلام في العراق جرى ديوان الاستيفاء، وجباية الأموال على ما كان عليه من قبل. فكان ديوان الشام بالرومية، لأنه كان من ممالك الروم. وكان ديوان العراق بالفارسية، لأنه كان من ممالك الفرس. وفي زمن عبد الملك بن مروان نقل ديوان الشام إلى العربية سنة إحدى وثمانين هجرية. ثم تتابع إنشاء الدواوين حسب الحاجة، وما تقتضيه مصالح الرعية. فكانت الدواوين التي تختص بالجيش من إثبات وعطاء، وكانت الدواوين التي تختص بالأعمال من رسوم وحقوق، وكان الديوان الذي يختص بالعمال والولاة من تقليد وعزل، وكانت الدواوين التي تختص ببيت المال من دَخل وخَرج، وهكذا. فكان إنشاء الديوان متعلقًا بالحاجة إليه، وكان أسلوبه يختلف من عصر إلى عصر، لاختلاف الأساليب والوسائل.

وكان يُعيَّن للديوان رئيس، ويُعيَّن له موظفون، وكانت تُسنَد لهذا الرئيس صلاحية تعيين موظفيه في بعض الأحيان ويُعيَّنون له تعيينًا في أحيان أخرى.

وعلى ذلك فإنه يُتَّبَعُ في إنشاء إدارة المصالح أو ما يسمى بالديوان الحاجةُ، وما ينهض بأعباء هذه الحاجة من أساليب العمل، ووسائل القيام به، ويجوز أن تختلف في كل عصر، وأن تختلف في كل ولاية، وأن تختلف في كل بلد.

هذا من حيث إنشاء إدارة المصالح، أو إنشاء الديوان، أما من حيث مسؤولية هؤلاء الموظفين، فإنهم أجراء، وفي الوقت نفسه رعايا، فهم من حيث كونهم أجراء، أي من حيث قيامهم بعملهم، مسؤولون أمام رئيسهم في الدائرة، أي أمام مدير الدائرة. ومن حيث كونهم رعايا مسؤولون أمام الحكام من ولاة ومعاونين، ومسؤولون أمام الخليفة، ومقيدون بأحكام الشرع، وبالأنظمة الإدارية.

سياسة إدارة المصالح

سياسة إدارة المصالح تقوم على البساطة في النظام، والإسراع في إنجاز الأعمال، والكفاية فيمن يتولون الإدارة. وهذا مأخوذ من واقع إنجاز المصلحة، فصاحب المصلحة إنما يبغي سرعة إنجازها، وإنجازها على الوجه الأكمل، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ... » رواه مسلم من طريق شداد بن أوس. فالإحسان في قضاء الأعمال مأمور به من الشرع، وللوصول إلى هذا الإحسان في قضاء المصالح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت