فهرس الكتاب
الرزق، وعلى السعي، وجعل السعي لكسب الرزق فرضًا على الرجل، القادر على العمل، المحتاج للنفقة على نفسه، وعلى من تجب عليه إعالته. قال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} . إلاّ أنه ليس معنى ذلك أنه تدخَّل في إنتاج الثروة أو بيّن كيفية زيادة إنتاجها، أو مقدار ما ينتج، لأنّه لا علاقة له بذلك. بل هو حث على العمل، وعلى كسب المال فحسب. وقد وردت أحاديث كثيرة تحث على كسب المال، وفي الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صافح سعد بن معاذ (رضي الله عنه) فإذا يداه قد اكتبتا، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: أضرب بالمرّ والمسحاة لأنفق على عيالي. فقبّل صلى الله عليه وسلم يده وقال: كفان يحبهما الله تعالى» ذكره السرخسي في المبسوط. وروى البخاري من طريق المقدام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده» ، وروي أن عمر مرَّ بقوم من القراء فرآهم جلوسًا قد نكسوا رؤوسهم، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: هم المتوكلون، فقال: كلاّ، ولكنهم المتأكلون، يأكلون أموال النّاس. ألا أنبئكم من المتوكلون؟ فقيل نعم. فقال: هو الذي يُلقي الحَبَّ في الأرض، ثمّ يتوكل على ربه عز وجل. ذكره السرخسي في المبسوط. وهكذا نجد الآيات والأحاديث تحث على السعي لطلب الرزق، وعلى العمل لكسب المال، كما تحث على التمتع بهذا المال، وأكل الطيبات. قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} وقال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وقال تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} وقال: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} . فهذه الآيات وما شابهها تدل دلالة واضحة على أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالاقتصاد تهدف إلى كسب المال، والتمتع بالطيبات. فالإسلام حث الأفراد على الكسب، وأمرهم بالانتفاع بالثروة التي يكسبونها، وذلك لتحقيق التقدم الاقتصادي في البلاد، ولإشباع الحاجات الأساسية لكل فرد، وتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية. ومن أجل مراعاة حصول المسلم على المال نجد الإسلام حين شرع الأحكام المتعلقة بكيفية حيازة الثروة، راعى عدم تعقيد هذه الكيفية التي يحوز بها الإنسان المال، فجعلها بسيطة كل البساطة. إذ قد حدد أسباب التملك، وحدد العقود التي يجري بها تبادل الملكية، وأطلق للإنسان أن يبدع في الأساليب والوسائل، التي يكسب بها حين لم يتدخل في إنتاج الثروة. وقد جعل الأسباب والعقود خطوطًا عريضة، تحوي قواعد شرعية، وأحكامًا شرعية، تدخل تحتها مسائل متعددة، وتقاس عليها أحكام متعددة. فشرع العمل وبيّن أحكامه، وترك للإنسان أن يعمل نجارًا وحذّاء وصانعًا وزارعًا وغير ذلك، وجعل الهدية على وجه بحيث تقاس عليها العطية مثلًا في جعلها سببًا للملك، وجعل الإجارة على حال بحيث تقاس عليها الوكالة مثلًا في استحقاق أجرة الوكيل. وهكذا نجد أسباب التملك، والعقود قد بيّنها الشارع، وحددها في معانٍ عامة، وهذا يجعلها شاملة كل ما يتجدد من الحوادث، ولكنها لا تتجدد بتجدد المعاملات، لوجوب تقيد النّاس بالمعاملات التي وردت في الشرع، ولكنها تنطبق على كل ما يتجدد من حوادث، مهما بلغت ومهما