فهرس الكتاب
تعددت. وبهذا يسير المسلم في كسب المال سيرًا حثيثًا دون أن تقف في طريقه عقبات تحول بينه وبين الكسب، مع الحرص على أن يجعل كسبه طيبًا حلالًا. وبذلك يتوفر لكل فرد ما يشبع له الحاجات التي تتطلب الإشباع. ولم يكتف الإسلام بحثّ الفرد، ولا جعل الإشباع مقصورًا على كسب الأفراد، بل جعل بيت المال لجميع الرعية ينفق عليهم منه، وجعل إعالة العاجز فرضًا على
الدولة، وتوفير الحاجات للأمّة واجبًا من واجباتها، لأنّ عليها حق الرعاية، روى البخاري عن ابن عمر قال: قال عليه الصلاة والسلام: «الإمام الذي على النّاس راع وهو مسئول عن رعيته» . ومن أجل أن تقوم الدولة بما أوجبه الشرع عليها، جعل لها سلطة جباية أموال معينة جباية دائمية كالجزية والخراج، وجعل أموال الزكاة في بيت المال، وجعل لها حق جباية ما هو فرض على جميع المسلمين كإصلاح الطرق، وبناء المستشفيات، وإطعام الجائعين، وما شاكل ذلك. وجعل الملكية العامة تحت إدارتها تتولاها هي، ومنع الأفراد من أن يتولوها، ومنعها من أن تملكهم إيَّاها أو تعطيهم إدارتها. لأنّ الولاية العامة هي لولي الأمر، ولا يجوز لأحد من الرعية أن يقوم بها إلاّ بتولية من ولي الأمر. وهذه الملكية العامة من بترول وحديد ونحاس وما شاكل ذلك أموال لا بد من استغلالها وتنميتها، لتحقيق التقدم الاقتصادي للأمّة، لأنّ هذه الأموال للأمّة، والدولة تتولاها لتنميتها وإدارتها. فإذا قامت الدولة بتوفير الأموال، ونهضت بأعباء رعاية الشؤون، وقام كل فرد بكسب المال، والسعي إلى الرزق، فقد توفرت الثروة التي تكفي لإشباع جميع الحاجات الأساسية إشباعًا كليًا، وإشباع الحاجات الكمالية. إلاّ أن هذا التقدم الاقتصادي بالحث على كسب المال من كل فرد، وجعل أموال للدولة، وإنماء الملكية العامة، إنما هو من أجل استخدام المال وسيلة لإشباع الحاجات، وليس لذات المال، ولا للتفاخر به، ولا لإنفاقه على المعاصي، أو للبطر والتجبر، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «من طلب الدنيا حلالًا استعفافًا عن المسألة، وسعيًا على أهله، وتعطفًا على جاره، جاء يوم القيامة وجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالًا، مفاخرًا، مكاثرًا، مرائيًا، لقي الله وهو عليه غضبان» ورد في مصنف ابن أبي شيبة من طريق أبي هريرة رضي الله عنه. روى مسلم من طريق مطرِّف عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» وقال تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} . وليس جعل القصد من كسب المال أن يكون وسيلة لإشباع الحاجات، لا للتفاخر هو الذي طلبه الإسلام فقط، بل جعل الإسلام تسيير الاقتصاد كله بأوامر الله ونواهيه أمرًا حتميًا. وأمر المسلم أن يبتغي فيما يكسبه الحياة الأخرى، ولا ينسى نصيبه من الدنيا قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ} ولذلك جعل فلسفة الاقتصاد تسيير الأعمال الاقتصادية بأوامر الله ونواهيه بناء على إدراك الصلة بالله. أي جعل الفكرة التي بنى عليها تدبير أمور المسلم في المجتمع في الحياة هي جعل الأعمال الاقتصادية حسب ما تتطلبه الأحكام الشرعية باعتبارها دينًا، وجعل تدبير أمور الرعية ممن يحملون التابعية، وأعمالهم الاقتصادية، مقيدة بالأحكام الشرعية. باعتبارها تشريعًا، فيبيح لهم ما أباحه الإسلام