فهرس الكتاب

الصفحة 4634 من 7068

ويقيدهم بما قيدهم به. قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} وقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} . وقد ضمن تقيد المسلمين والناس بهذه الأحكام بالتوجيه الذي يجعل المسلم ينفذ هذه السياسة بدافع تقوى الله، والتشريع الذي تنفذه الدولة على النّاس. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنينَ} وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} إلى أن يقول: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} . فهو إذن بيّن الكيفية التي تنفذ بها هذه الأحكام، وبيّن الكيفية التي تضمن تقيدهم بهذه الأحكام.

وهكذا يشاهد أن سياسة الاقتصاد في الإسلام مبنيّة على أساس إشباع الحاجات لكل فرد، باعتباره إنسانًا يعيش في مجتمع معين، وعلى كسب الثروة لتوفير ما يشبع الحاجات. وقائمة على فكرة واحدة هي تسيير الأعمال بالأحكام الشرعية ومنفذة من كل فرد بدافع تقوى الله، وبالتنفيذ من قبل الدولة، بالتوجيه وبالتشريع.

القواعد الاقتصادية العامة

يتبين من استقراء الأحكام الشرعية المتعلقة بالاقتصاد أن الإسلام إنما يعالج موضوع تمكين النّاس من الانتفاع بالثروة. وأن هذه هي المشكلة الاقتصادية للمجتمع في نظره. وهو حين يبحث الاقتصاد إنما يبحث في حيازة الثروة، وفي تصرف النّاس بها، وفي توزيعها بينهم. وعلى هذا فإن الأحكام المتعلقة بالاقتصاد مبنيّة على ثلاث قواعد هي: الملكية، والتصرف في الملكية، وتوزيع الثروة بين النّاس. أما الملكية من حيث هي ملكية فهي لله باعتباره مالك الملك من جهة، وباعتباره قد نص على أن المال له. قال تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . فالمال لله وحده، إلا أن الله سبحانه وتعالى استخلف بني الإنسان على المال، وأمدهم به، فجعل لهم حق ملكيته، قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} وقال: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} . ومن هنا نجد أن الله، حين يبيّن أصل ملكية المال، يضيف المال له، فيقول {مَالِ اللَّهِ} وحين يبين انتقال الملكية للناس، يضيف الملكية لهم، فيقول: {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} ، {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ، {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} ، {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} ، {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ} . غير أن حق الملكية هذا الذي جاء بالاستخلاف جاء عامًا لبني الإنسان بجميع أفرادهم، فلهم به حق الملكية، لا الملكية الفعلية. فهم مستخلَفون في حق التملك. أما الملكية الفعلية للفرد المعين فقد شرط الإسلام فيها الإذن من الله للفرد بتملكها. ولهذا فإن المال إنما يملكه بالفعل مَن أَذِن له الشارع بتملكه، ويكون هذا الإذن دلالة خاصّة على أن هذا الفرد قد أصبح له الملكية للمال. فاستخلاف النّاس جميعًا في الملكية جاء بالاستخلاف العام، وأفاد وجود حق الملكية، واستخلاف الفرد المعين في الملكية الفعلية جاء بالإذن الخاص، الذي جاء من الشارع للفرد في أن يتملكه.

وقد بيّن الشرع أن هناك ملكية فردية، فلكل فرد أن يمتلك المال بسبب من أسباب التملك، روى أبو داود عن سَمُرَة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحاط حائطًا على أرض فهي له» وهناك ملكية عامة للأمة كلها، روى أحمد عن رجل من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت