فهرس الكتاب
ضعوها في مكان كذا من سورة كذا وهو بشر لا يدري طبعا ما ستجيء به الأيام ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث فضلا عما سينزل من الله فيها وهكذا يمضي العمر الطويل والرسول على هذا العهد يأتيه الوحي بالقرآن نجما بعد نجم وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتم وينتظم ويتآخى ويأتلف ويلتئم ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت بل يعجز الخلق طرا بما فيه من انسجام ووحدة وترابط! < كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير >! 11 هود 1 وإنه ليستبين لك سر هذا الإعجاز إذا ما علمت أن محاولة مثل هذا الإتساق والانسجام لن يمكن أن يأتي على هذا النمط الذي نزل به القرآن ولا على قريب من هذا النمط لا في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولا كلام غيره من البلغاء وغير البلغاء خذ مثلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما هو في روعته وبلاغته وطهره وسموه لقد قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في مناسبات مختلفة لدواع متباينة في أزمان متطاولة فهل في مكنتك ومكنة البشر معك أن ينظموا من هذا السرد الشتيت وحدة كتابا واحدا يصقله الاسترسال والوحدة من غير أن ينقصوا منه أو يتزيدوا عليه أو يتصرفوا فيه ذلك ما لن يكون ولا يمكن أن يكون ومن حاول ذلك فإنما يحاول العبث ويخرج للناس بثوب مرقع وكلام ملفق ينقصه الترابط والانسجام وتعوزه الوحدة والاسترسال وتمجه الأسماع والأفهام إذن فالقرآن الكريم ينطق نزوله منجما بأنه كلام الله وحده وتلك حكمة جليلة
46 الشأن تدل الخلق على الحق في مصدر القرآن! < قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما >! 25 الفرقان 6
المعجزة
هي أمر يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله أو هي أمر خارق للعادة خارج عن حدود الأسباب المعروفة يخلقه الله تعالى على يد مدعي النبوة عند دعواه إياها شاهدا على صدقه
فإذا قام إنسان ما وادعى أنه مبعوث الله إلى خلقه ورسوله إلى عباده وقال إن آية صدقي فيما أدعيه أن يغير الله الذي أرسلني عادة من عاداته على يدي وأن يخرج الآن عن سنة من سننه العامة في وجوده ثم قال وسيأتيكم الله بهذا الأمر العجاب من باب ترون أنكم فيه نابغون وعليه قادرون وإني أتحداكم زرافات ووحدانا أن تأتوا بمثل هذه الآية وأمامكم الباب مفتوحا كما تعتقدون وفيكم النبوغ موفور كما تدعون ثم أنتم مجتمعون وأنا وحدي
قال ذلك بلغة الواثق وتحدانا هذا التحدي الظاهر في وقت يثور فيه على عقائدنا وعاداتنا وأخلاقنا ويسفه فيه أحلامنا وأحلام أمثالنا من آبائنا ونحن أحرص ما نكون على تعجيزه وتبهيته والغلبة عليه والظفر به دفاعا عن كرامتنا وانتصارا لأعز شيء لدينا ثم لم يلبث أن قام وقمنا وأجمع أمره وأجمعنا وإذا نحن جميعا بعد محاولات ومصاولات لم نستطع أن نأتي بمثل ما أتى به فضلا عن أعظم منه مع أننا أمة وهو فرد ومع أنه قد دخل علينا من أيسر الطرق في نظرنا ومن أشهر فن في زماننا ومع أنه قد أعطانا الفرصة الكافية لمناظرته وأنصفنا كل إنصاف من نفسه