فهرس الكتاب
إنما يرجع إلى جهل الناس باللغة العربية وأساليبها وإلى فساد ذوقهم من غلبة العجمة عليهم ومعروف أن عدم الإدراك لشيء لا ينهض دليلا على عدم ذلك الشيء
ونظير ذلك أن عدم علمنا بلغة من اللغات الأجنبية مثلا لا يلزم منه أن ننكر أن فلانا متفوق في تلك اللغة بشهادة الأخصائيين فيها والحاذقين لها بل نحن نؤمن بوجود لغات لا نعرف منها شيئا كما نؤمن بوجود نابغين فيها لا نعرفهم ولا نعرف من وجوه نبوغهم شيئا اللهم إلا عن طريق سماعنا لذلك من مصادر نثق بها
كذلكم القرآن الكريم قد شهد الفنيون والأخصائيون من حذاق اللغة العربية في أزهى عصور التوفر عليها والتمهر فيها أنه كتاب فاق الكتب وكلام بز سائر ضروب الكلام وبلغ في سموه وتفوقه حدود الإعجاز والإفحام من ناحية الفصاحة والبلاغة وما يحمل لهما من أسرار
ثم نقل إلينا ذلك كله نقلا متواترا قاطعا لا ظل فيه للشك والنكران
فلماذ لا نقبل هذا الحكم العادل ومصادره كثيرة محترمة كل الاحترام
أليس ذلك تعصبا وعنادا على حين أن الباب كان ولا يزال مفتوحا أمام كل من يحذق علوم اللغة العربية وأساليبها أن يتذوق أسرار البلاغة والإعجاز في هذا القرآن وأن يحكم هو نفسه بما حكم به الآلاف المؤلفة في كل زمان ومكان
وإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه بالأبصار
على أن لإعجاز القرآن ميدانا آخر فاطلبه إن شئت والله المستعان 12 يوسف 18
الشبهة العاشرة يقولون إن إعجاز القرآن للعرب لا يدل على أن القرآن كلام الله
بل هو كلام محمد نسبه إلى ربه ليستمد قدسيته من هذه النسبة
وإعجازه جاء من ناحية أن محمدا كان الفرد الكامل في بيانه بين قومه لذلك جاء قرآنه الفرد الكامل أيضا بين ما جاء به قومه ولم يستطيعوا لهذا الاعتبار وحده أن يأتوا بمثله شأن الرجل الفذ بين أقرانه في كل عصر
ويجيب على هذه الشبهة بأجوبة خمسة
أولها أن كل من أوتي حظا من حس البيان وذوق البلاغة يفرق بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي فرقا كبيرا يمثل الفرق الكبير بين مقدور الخالق ومقدور المخلوق
وها هما القرآن والحديث النبوي لا يزالان قائمين بيننا يناديان الناس بهذا الفارق البعيد إن كان لهم إحساس في البيان وذوق في الكلام
ولو كان لهذه الشبهة شيء من الوجاهة لكان أولى الناس أن يرفعوا عقيرتهم بها هم أولئك العرب الخلص الذين شافههم القرآن لأنهم كانوا أحرص على تعجيز محمد وإسكاته للاعتبارات التاريخية المعروفة لكنهم ما قالوا هذا بل كانوا أكرم على نفسهم من أن يقولوه إيقانا منهم بظهور المميزات الفائقة بكلام الربوبية عن كلام النبوة بحيث لا يلتبس أحدهما بالآخر في شيء
وهكذا من ذاق عرف ومن حرم انحرف
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم
الجواب الثاني أن القرآن لم يأت الناس من الخلف بل جاءهم من أوسع الأبواب ودخل عليهم من طريق العرب الخلصاء ذوي اللسن والبيان