فهرس الكتاب
وتحداهم من الناحية التي نبغوا فيها وهي صناعة الكلام تلك الصناعة البيانية الفائقة التي وقفوا عليها مواهبهم وأنفقوا فيها حياتهم حتى صارت موضع تنافسهم وسبقهم وموضوع فخرهم وفوقهم
شأن معجزات الله تعالى لم تأت الناس إلا من الناحية المفهومة لهم كل الفهم وذلك ليظهر أمر الله واضحا جليا لا لبس فيه ولا غموض ولا شبهة ولا شكوك لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما 4 النساء 165
ومن هنا نعلم والتاريخ يشهد أن القرآن لو كان مصدره نفس محمد كما يقول أولئك الملاحدة لأمكن هؤلاء العرب البارزين في البيان أن يعرفوا أنه كلامه بما أوتوا من ملكة النقد وما وهبوا من نباهة الحس والذوق ثم لأمكنهم أن يجاروه ولو شوطا قريبا إن لم يمكنهم مجاراته شوطا بعيدا
لا سيما أن القرآن قد اكتفى منهم في معرض التحدي بأن يأتوا بسورة من مثل أقصر سورة أي بمثل ثلاث آيات قصار من بين تلك الآلاف المؤلفة التي اشتمل عليها الكتاب العزيز
وأنت خبير بأن هؤلاء لم تكن لتعييهم تلك المساجلة وهم فرسان ذلك الميدان وأئمة الفصاحة والبيان لو كان الأمر من صناعة محمد وإنشائه
كما يزعم أولئك الخراصون فما بالك وقد خرست ألسنتهم وخشعت أصوات الأجيال كلها من بعدهم
ومعلوم أن النابغة الفذ في أي عصر من العصور يستطيع أقرانه بيسر وسهولة أن يحاكوه مجتمعين ومنفردين في الشيء القليل على فرض أنهم لا يستطيعون معارضته في الجميع أو الشيء الكثير
الجواب الثالث أن القرآن لو كان مصدره نفس محمد لكان من الفخر له أن ينسبه إلى نفسه
ولأمكن أن يدعي به الألوهية فضلا عن النبوة
ولكان مقدسا في نظر الناس وهو إله أكثر من قداسته في نظرهم وهو نبي
ولما كان في حاجة إذا إلى أن يلتمس هذه القدسية الكاذبة بنسبته القرآن إلى غيره فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا 4 النساء 78
الجواب الرابع أن هؤلاء الملاحدة غاب عنهم أنهم يتحدثون عن أكرم شخصية عرفها التاريخ طهرا ونبلا وذهلوا عن أنهم يمسون أسمى مقام اشتهر أمانة وصدقا
فكان إذا مر بقومه يشيرون إليه بالبنان ويقولون هذا هو الصادق الأمين
ثم صدروا عن رأيه ورضوا بحكمه
والعقل المنصف قال ولا يزال يقول ما كان هذا الأمين الصدوق ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله ولكن المنفقين لا يعلمون 63 المنافقون 8
الجواب الخامس أن هذه الشبهة وليدة الغفلة عن مضامين القرآن العلمية وأنبائه الغيبية وهداياته الخارجة عن أفق العادة في كافة النواحي البشرية فردية كانت أو اجتماعية
لا سيما أن الآتي بهذا القرآن رجل أمي في أمة أمية كانت في أظلم عهود الجاهلية