فهرس الكتاب

الصفحة 4659 من 7068

ولهذا كان العرب يعافون من الكلام ما ظهرت فيه آثار الصنعة والتكلف ويعدون ذلك من التفاصح النازل إلى مهواة العي والتنطع كما كانوا مأخوذين بالجيد السلس وبالسهل الممتنع

ولقد كان النبي أبعد العرب عن هذا التعمل والتصنع والتحبير حتى لقد نهى عن ذلك وناط به الهلاك والخسران

تدبر ما يرويه مسلم وأبو داود من أن النبي قال هلك المتنطعون والتنطع في الكلام التعمق فيه والتفاصح

وروى الشيخان أنه جاءه رجل من هذيل يخاصم في دية الجنين فقال يا رسول الله كيف أغرم دية من لا شرب ولا أكل

ولا نطق ولا استهل

فمثل ذلك يطل

فقال رسول الله إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع

وفي رواية أنه قال أسجع كسجع الأعراب

وفي رواية أخرى أنه قال أسجع الجاهلية وكهانتها

فأنت ترى أنه ذم هذا السجع المصنوع وجعل صاحبه من إخوان الكهان ومن جهلة الجاهلية

وما ينبغي له أن يذم شيئا ثم يقع فيه

وحاشاه وحاشا بيانه الشريف من هذا الإسفاف والتعمل الخسيس

ودونك السنة النبوية فاقرأ منها ما شئت فلن تجد إلا جيدا مطبوعا ومعاذ الله أن تجد فيها متكلفا مصنوعا

والقرآن أعلى في هذا الباب وأجل

ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر 54 القمر 32

الجواب الثاني أن هذه الشبهة تخالف في أساسها ما هو واقع معروف ذلك أن القرآن الكريم منه ما نزل مفاجأة على غير انتظار وتفكير وبدون تلبث وتدبير وهو أكثره

ومنه ما نزل بعد تشوف واستشراف وطول انتظار وهو أقله

ومع هذا فأسلوبه الأعلى هو أسلوبه الأعلى ونظمه المعجز هو نظمه المعجز في الحالين على سواء

تأمل ما جاء في سبب نزول قوله سبحانه ولا تقولن لشائ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله 18 الكهف 23 24 وهو أن اليهود قالت لقريش سلوا محمدا عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوه فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه ثم نزلت الآيات جوابا لتلك الأسئلة بعد تلك المدة الطويلة التي قدرها بعضهم بأربعين يوما وأنت إذا قرأتها لن تجد فرقا بين أسلوبها وأسلوب كثرة القرآن الغامرة التي نزلت مباغتة مفاجئة

وهذا الذي يقال في القرآن يقال مثله في الحديث النبوي

فمنه ما كان وليد التفكير والتدبير والمشاورة والمداولة كحديثه في شؤون الحرب والصلح ومنه ما كان وحي الساعة وإرسال البديهة كحديثه الكثير فيما هو ظاهر من أمور الدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت