فهرس الكتاب
فأراد أن يعظه ويذكره ويخوفه حتى يعود إليه قال له سنشدتك الله والرحم فينكسر الرجل ويمتنع إن كان يريد منه ألا يفعل شيء تركه وإن كان يريد منه أن يفعل شيء فتلكأ عنه قال له سنشدك الله والرحم فعله، وأنه يحس أن هذه الرحم شيء كبير، ومن هنا قال- صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح: (( إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلنا خيرًا، فإن لهم رحمًا ) )وهي مصر يقول إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا فإنه لهم رحمًا. أم إسماعيل هاجر وهي من مصر وكذلك أيضًا أم إبراهيم مارية وهي من مصر، فقال-عليه الصلاة السلام- استوصوا بأهلها خيرًا مع أنها رحم للنبي- صلى الله عليه وسلم - وجعله رحمًا للأمة، (( استوصوا بها خيرًا ) )فإنه لهم رحمًا هذا كله في الرحم مع بعدها فيكف إذا قربت الرحم، فلذلك ينبغي التواصي بمثل هذه الحقوق وإحياؤها في النفوس وإذا جلسنا في المجالس ورأينا من يذم أهل زوجه ذكرناه بالله وخوفناه بالله وإذا سمعنا بمشكلة بين قرابة منابين أرحام وصلت إلى قطعية الرحم تدخل العقلاء والحكماء فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينهم وذلك هو الذي يرضى الله وهو الذي وصى الله به من فوق سبع سموات. نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يحسن الأحوال، وأن يحسن لنا لكم حسن الخاتمة المآل، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. . وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
جندية مجهولة
فضيلة الشيخ: سعود الشريم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فعلى البسيطة من هذا الكون ثَمَّ مخلوقة ضعيفة، تغلب عليها العاطفة الحانية، والرقة الهاتنة، لها من الجهود والفضائل ما قد يتجاهله ذوو الترف، ممن لهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، ولهم قلوب لا يفقهون بها، هي جندية حيث لا جند، وهي حارسة حيث لا حرس، لها من قوة الجذب ومَلَكة الاستعطاف ما تأخذ به لبَّ الصبي والشرخِ كلَّه، وتملك نياط العاطفة دقّها وجلِّها، وتحل منه محل العضو من الجسد، بطنها له وعاء، وثديها له سِقاء، وحجرها له حِواء، إنه ليملك فيها حق الرحمة والحنان، لكمالها ونضجها، وهي أضعف خلق الله إنسانًا، إنها مخلوقة تسمى الأم، وما أدراكم ما الأم؟! أم الإنسان - عباد الله - هي أصله وعماده الذي يتكئ عليه، ويرد إليه: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم من أَنفُسِكُم أَزوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم من أَزواجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72] . وكون الشيء أصلًا وعمادًا دليل بارز بجلائه على المكانة وعلو الشأن وقوة المرجعية، ألا ترون أن أم البشر حواء، وأم القوم رئيسُهم، وأم الكتاب الفاتحة، وأم القرى مكة، وفي ثنايا العلوم كتاب الأم للشافعي رحمه الله؟!
لماذا الحديث عن الأم؟ من خلال هذه المقدمة الوجيزة عن الأم، ربما يدور بخلد سائل ما سؤال مفاده: أيوجد ثمَّ مشكلة تستدعي الحديث عن مخلوقة ليست هي بدعًا من البشر؟ أم أن الحديث عنها نوع تسلية وقتل للأوقات؟ أم أن الأمر ليس هذا ولا ذاك؟. والجواب الذي لا مراء فيه: أن الأمر ليس هذا ولا ذاك، بل إن الأمر أبعد من هذا