فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 7068

النهضة العلمية

أستطيع أن أؤكد أن الشيخ علي الدقر هو صاحب أضخم نهضة علميّة في بلاد الشام في القرن الرابع عشر الهجري، العشرين الميلادي.

وسبب هذه النهضة التي دُعيتْ بنهضة العلماء، أن الشيخ عليًا كان محبًّا للعلم، شغوفًا به شغفًا جعل أباه التاجر الكبير يأسى لحاله، ويشكو إلى بقّال صديق ما قد يؤول إليه مصير ولده عليّ الذي ترك التجارة، ولحق المشايخ ودروسهم في المساجد، وترك المال والعزّ والجاه الذي يرتع هو وأولاده الآخرون في نعيمه، فيما الشيخ علي زاهد في كلّ ذلك، مقبل على طلب العلم، والجلوس بين أيدي المشايخ.

وشاء الله أن يمتدّ العمر بذلك البقال، ليرى ما وصل إليه الشيخ علي من العزّ، وهو يراه من دكانه، وقد حفّ به أصحاب العمائم، فيتذكّر شكوى أبيه الحاج عبد الغني، وخوفه الفقر والعوز على ولده، يتذكّر هذا فيهتف بأعلى صوته:

"أين أنت يا أبا صادق، لترى العزّ الحقيقي لابنك الشيخ علي."

وثمة سبب آخر، هو ما كان عليه التعليم الرسمي من بُعْدٍ عن الله وعن تعاليم الإسلام ومبادئ الأخلاق، وتأثر بالغرب وعلومه.

فكّر الشيخ عليّ مليًّا فيما يعمل، واستخار الله تعالى، ثم هداه تفكيره إلى البديل عن تلك المدارس ذات المناهج العلمانية .. والبديل في إنشاء مدارس ومعاهد شرعيّة، تعلّم العقيدة، وأحكام الإسلام، والعلوم الشرعية، والعلوم العربية التي هي مفتاح العلوم الشرعية.

ولا بدّ لإنشاء المدارس والمعاهد من أموال، ورجال، ونظام، وهذا يتطلب إنشاء جمعية، فقرّر، بالتعاون مع التجار الذين يحبّونه، ويثقون به، وبصلاحه، وبسداد رأيه، وبتوفيق الله إياه لما فيه خير الأمة في دينها ودنياها، وبالتعاون مع بعض العلماء أيضًا، كالشيخ هاشم الخطيب، وبمباركة محدّث الشام الشيخ بدر الدين الحسني .. قرّر إنشاء (الجمعية الغرّاء لتعليم أولاد الفقراء) ثم انطلق يحشد الطلاب لدراسة العلم الشرعي من أولاد الفقراء في حوران، والأردن، وبعض المدن والقرى السورية.

الجمعية الغرّاء

كان لهذه الجمعية التي تأسست عام 1343هـ - 1924م آثار في النهضة العلمية في بلاد الشام، وقبل أن تتخذ لها مقرًا تجتمع فيه إدارتها، ويرتاده الناس، أنشأت مدرسة في بناء المدرسة السميساطية لطلاب المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، وصار مقرّ إدارة المدرسة مقرًّا لإدارة الجمعية، وانطلق تلاميذ الشيخ علي إلى قرى حوران، يأخذون من كل قرية واحدًا أو أكثر من أبنائها الذين يتوسمون فيهم الذكاء والنجابة، حتى كثر الطلاب من الجنسين، وضاقت بهم المدرسة السميساطية، فبادرت الجمعية إلى اعتماد مراكز للتدريس في جامع العدّاس، والتكيّة السليمانية، والمدرسة الخيضرية، والمدرسة السباهية، وقد توزعت على عدد من أحياء دمشق القديمة، من الباب الشمالي للجامع الأموي، إلى باب الجابية، إلى سواهما.

"وفي سنة 1353هـ تقريبًا - أواخر أيام الانتداب الفرنسي - استولت الجمعية على جامع تنكز بشارع النصر، فصار مقرًا لها، وفيه أسست ثانوية شرعية سُمِّيت: معهد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت