فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 7068

والتجارية، ويحضّهم على التمسّك بتعاليم الإسلام العظيم .. كل ذلك بأسلوب فريد من نوعه، وصفه الشيخ علي الطنطاوي بقوله:

"الرجل الذي هزّ دمشق، من أربعين سنة، هزّة لم تعرف مثلها من مئتي سنة، وصرخ في أرجائها صرخة الإيمان، فتجاوبت أصداؤها في أقطار الشام، واستجاب لها الناس، يعودون إلى دين الله أفواجًا، يبتدرون المساجد، ويستبقون إلى حلقاتها .."

وهو علامة الشام .. بل هو في الشام علم الأعلام، أعطي من التوفيق في العمل، والعمق في الأثر، ما لم يعط مثله الشيخ بدر الدين ولا غيره من مشايخ الشام في تلك الأيام.""

كان المسجد الذي يدرس فيه الشيخ علي الدقر"يمتلئ كله، ويقف الناس على أبوابه وأمام نوافذه، ولم يكن في الدرس علم غزير، ولكن كان فيه شيء لا يجده سامعه عند ذوي العلم الغزير. فيه الموعظة التي تخرج من القلب، لتقع في القلب، فتحرك فيه خامد الشعور، وتثير فيه كامن الإيمان .. فيه يملأ بالدموع المآقي، ويبكي من الخشوع العيون، فيه ما يقيم ويقعد، ويلين أفئدة كانت أشدَّ من الصخر، ويستخلص من أيدي الشيطان نفوسًا كان قد تملّكها وتحكّم فيها الشيطان. فيه ما يشعره حاضره أنه انتقل من هذه الدنيا، إلى مجالس الجنان."

فيه مالا أستطيع أن أعرّف القارئين به، لأنه شيء يُرى ولا يوصف، ويذاق ولا يُعرف، وكان الشيخ يُسأل: من أين يأتي بهذا الكلام الذي يلقيه على الناس؟ ومن أيَّ كتاب ينقله؟ فما كان يجيب، ولو أجاب لقال: إنه ينقله من الصلاة في ظلمات الليالي، ومن المناجاة في هدآت الأسحار، ومن حلاوة الإيمان التي يذوقها في ساعات الخلوة بالله، والتوجّه إليه، والقيام بين يديه ..""

"إنه، إنْ وعظ، لم يأت بألفاظ حلوة تقرع الأذن، ثم لا تتجاوزها، بل بمعان تصل إلى القلوب، قبل أن تصل الألفاظ إلى الآذان."

عندما يقرر الدرس، ما كان يقتصر على عبارة الكتاب الذي يدرسّه، بل كان ينطلق لسانه بكلمات ترّقق القلوب، وتذكّر بالآخرة .. كان فيها روعة من التذكير، وشدة التأثير، ما ليس له نظير.

كان يخشع هو، فيخشع السامعون، ويبكي فيبكون ..

وكان يرى إقبال الناس عليه فيعجب ويتساءل: نحن نحن، ما تبدّل فينا شيء، فما الداعي لهذا الإقبال والازدحام؟

ويعجب تلاميذه وإخوانه من كلامه هذا، ولسان حالهم يقول: إنه الإخلاص .. إنه الورع والتقوى .. إنه صفاء القلب والعقل والنفس .. إنه حبّ الله وحّب رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي ملك عليه أقطار قلبه وعقله .. إنه الخشية التي جعلتك تقول: إن كلَّ علم لا يورث خشية، لا يزيد صاحبه إلا بعدًا من الله تعالى، فوازنتَ بين العلم والعمل، وكنتَ مخبتًا لله، زاهدًا، متقشّفًا، وقد أورثك هذا وسواه، إقبال الناس عليك، وازدحامهم على دروسك، وتأثّرهم بمواعظك، وامتثالهم لأوامرك وتعليماتك المستمدّة من كتاب الله وسنّة رسوله، البعيدة عن الهوى، العاملة على سرد الخرافات والبدع من حياة المبتدعين وأتباعهم الجهلة، حتى لا يفسدوا على الناس دينهم وعقيدتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت