فهرس الكتاب

الصفحة 5023 من 7068

وردت هذه القصة في حوالي ثلاثين موضعًا، ولكنها في كل موضع تلبس أسلوبًا جديدًا و تخرج أخراجًا جديدا يناسب السياق الذي وردت فيه، و تهدف إلى هدف خاص لم يذكر في مكان آخر، حتى لكأننا أمام قصة جديدة لم نسمع بها من قبل.

الخاصة الخامسة:

و هي تداخل أبحاثه، و مواضيعه في معظم الأحيان فإن من يقرأ هذا الكتاب المبين لا يجد فيه ما يجده في عامة المؤلفات و الكتب الأخرى من التنسيق و التبويب حسب المواضيع، و تصنيف البحوث مستقلة عن بعضها، و إنما يجد عامة مواضيعه و أبحاثه لاحقة ببعضها دونما فاصل بينهما، وقد يجدها متداخل في بعضها في كثير من السور و الآيات.

و الحقيقة أن هذه الخاصة في القرآن الكريم، إنما هي مظهر من مظاهر تفرده، و استقلاله عن كل ما هو مألوف و معروف من طرائق البحث و التأليف.

المظهر الثاني:

المفردة القرآنية:

إذا تأملت في الكلمات التي تتألف منها الجمل القرآنية رأيتها تمتاز بميزات ثلاثة رئيسية هي:

1 ـ جمل وقعها في السمع.

2ـ اتساقها الكامل مع المعنى.

3ـ اتساع دلالتها لما لا تتسع له عادة دلالات الكلمات الأخرى من المعاني و المدلولات. د

و قد نجد في تعابير بعض الأدباء و البلغاء كالجاحظ و المتنبي كلمات تتصف ببعض هذه الميزات الثلاثة أما ان تجتمع كلها معا، و بصورة مطردة لا تتخلف أو تشذ فذلك مما لم يتوافر إلا في القرآن الكريم.

و إليك بعض الأمثلة القرآنية التي توضح هذه الظاهرة و تجليها:

أنظر إلى قوله تعالى في وصف كل من الليل و الصبح:"و الليل إذا عسعس و الصبح إذا تنفس"ألا تشم راحة المعنى واضحًا من كل هاتين الكلمتين: عسعس، و تنفس؟

ألا تشعر أن الكلمة تبعث في خيالك صورة المعنى محسوسا مجسمًا دون حاجة للرجوع إلى قواميس اللغة؟

و هل في مقدورك أن تصور إقبال الليل، وتمدده في الآفاق المترامية بكلمة أدق و أدل من"عسعس".

و هل تستطيع أن تصور انفلات الضحى من مخبا الليل و سجنه بكلمة أروع من"تنفس".؟

أقرأ قوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا، مالكم إذا قيل لكم: انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض" [سورة التوبة] .

و ادرس الأداء الفني الذي قامت به لفظة"أثاقلتم"بكل ما تكونت به من حروف، و من صورة ترتيب هذه الحروف، و من حركة التشديد على الحرف اللثوية"الثاء"و المد بعده، ثم مجيء القاف الذي هو أحد حروف القلقلة، ثم التاء المهموسة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت