فهرس الكتاب

الصفحة 5024 من 7068

والميم التي تنطبق عليها الشقتان، ويخرج صوتها من الأنف، ألا تجد نظام الحروف، وصورة أداء الكلمة ذاتها أوحت إليك بالمعنى، قبل أن يرد عليك المعنى من جهة المعاجم.؟ ألا تلحظ في خيالك ذلك الجسم المثاقل، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط في أيديهم في ثقل؟ ألا تحس أن البطء في تلفظ الكلمة ذاتها يوحي بالحركة البطيئة التي تكون من المثاقل؟

جرب أن تبدل المفردة القرآنية، و تحل محلها لفظة"تثاقلتم"ألا تحس أن شيئًا من الخفة و السرعة، بل و النشاط أوحت به"تثاقلتم"بسبب رصف حروفها، و زوال الشدة، وسبق التاء قبل الثاء؟ إذن فالبلاغة تتم في استعمال"أثاقلتم"للمعنى المراد، ولا تكون في"تثاقلتم".

المظهر الثالث:

الجملة القرآنية و صياغتها

إن دراسة الجملة القرآنية تتصل اتصالا مباشرًا بدراسة المفردة القرآينة لأن هذه أساس الجملة، و منها تركيبها، و إذا كان علماء البلاغة يجعلون البلاغة درجات، فإنهم مقرون دون جدل أن صياغة العبارة القرآنية في الطرف الأعلى من البلاغة الذي هو الإعجاز ذاته. و للإعجاز فيها وجوه كثيرة.

فمنها: ما تجده من التلاؤم و الاتساق الكاملين بين كلماتها، و بين ملاحق حركاتها، و سكناتها، فالجملة في القرآن تجدها دائمًا مؤلفة من كلمات و حروف، و أصوات يستريح لتألفها السمع و الصوت و المنطق، و يتكون من تضامها نسق جميل ينطوي على إيقاع رائع، ما كان ليتم لو نقصت من الجملة كلمة أو حرف أو اختلف ترتيب ما بينها بشكل من الأشكال.

أقرأ قوله تعالى:"ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، و فجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر"و تأمل تناسق الكلمات في كل جملة منها، ثم دقق نظرك، و تأمل تألف الحروف الرخوة مع الشديدة و المهموسة و المجهورة و غيرها، ثم حالو تمعن في تأليف و تعاطف الحركات و السكنات و المدود اللاحقة ببعضها، فإنك إذا تأملت في ذلك، علمت أن هذا الجملة القرآنية. إنما صبت من الكلمات و الحروف و الحركات في مقدار، و أن ذلك إنما قدر تقديرًا بعلم اللطيف الخبير و هيهات للمقاييس البشرية أن تضبط الكلام بهذه القوالب الدقيقة.

و منها: إنك تجد الجملة القرآنية تدل بأقصر عبارة على أوسع معنى تام متكامل لا يكاد الإنسان يستطيع التعبير عنه إلا بأسطر و جمل كثيرة ن دون أن تجد فيه اختصارًا مخلا، أو ضعفًا في الأدلة. أقرأ قوله تعالى:"خذ العفو، و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين" [سورة الأعراف] .

ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام كل خلق عظيم، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين و الصفح عن الظالمين.

و اقرأ قوله تعالى مخاطبًا آدم عليه السلام:"أن لك ألا تجوع فيها و لا تعرى، و أنك لا تظمأ فيها و لا تضحى"ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام أصول معايش الإنسان كلها من طعام و شراب و ملبس، و مأوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت