فهرس الكتاب

الصفحة 5025 من 7068

و أقرأ قوله تعالى:"و أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عيه فألقيه في اليم و لا تخافي و لا تحزني إنا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين"و تأمل كيف جمعت هذه الآية الكريمة بين أمرين و نهيين و خبرين و بشارتين أما الأمرين فهما:"أرضعيه، و ألقيه في اليم، و أما النهيان فهما"لا تخافي"، و"لا تحزني"."

و أما الخبران فهما"أوحينا"و"خفت"و أما البشارتان فهما"أنا رادوه إليك"و"جاعلوه من المرسلين".

و تأمل سورة"الكوثر"وهي أقصر سورة في القرآن إذ هي ثلاثة آيات قصار كيف تضمنت، على قلة آياتها الأخبار عن مغيبين: أحدهما: الأخبار عن الكوثر"نهر في الجنة"و عظمته و سعته و كثرة أوانيه , الثاني: الإخبار عن"والوليد بن المغيرة"و كان عند نزولها ذا مال وولد، ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده، وانقطع نسله

ومنها: أخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحس الملموس، ثم بث الروح و الحركة في هذا المظهر نفسه.

و مكمن الإعجاز في ذلك، أن الألفاظ ليست إلا حروفًا جامدة ذات دلالة لغوية على ما أنيط بها من المعاني، فمن العسير جدًا أن تصبح هذه الألفاظ وسيلة لصب المعاني الفكرية المجردة في قوالب من الشخوص و الأجرام و المحسوسات، تتحرك في داخل الخيال كأنها قصة تمر أحداثها على مسرح يفيض بالحياة و الحركة المشاهدة الملموسة. أستمع إلى القرآن الكريم و هو يصور لك قيام الكون على أساس من النظام الرتيب و التنسيق البديع الذي لا يتخلف، و لا يلحقه الفساد، فيقول:"إن ربكم الله خلق السموات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا، و الشمس و القمر و النجوم مسخرات بأمره إلا له الخلق و الأمر" [الأعراف 54] .

إنه يصور لك هذا المعنى في مظهر من الحركة المحسوسة الدائرة بين عينيك، و كأنها أمام آلات تتحرك بسرعة دائبة في نظام مستمر يعيها و تصورها الشعور و الخيال.

الباحثون في القرآن يجمعون على إعجازه

الجاحظ و رأيه في بلاغة القرآن:

الجاحظ هو مؤسس البيان العربي بلا منازع، هو أبو عثمان بن بحر بن محبوب الكتاني، المعروف بالجاحظ البصري ولد سنة 150 هـ و توفي سنة 255هـ.

ففي رسالة له بعنوان حجج نبوية يقول:"إن محمد صلى الله عليه و سلم مخصوص بعلامة، لها في العقل موقع كموقع فلق البحر في العين .. ذلك قوله لقريش خاصة و للعرب عامة مع من فيها من الشعراء و الخطباء و البلغاء، والحكماء و أصحاب الرأي و المكيدة، والتجارب و النظر في العامة"إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي، و صدقتكم في تكذيبي"ثم يقول"و لا يجوز أن يكون مثل العرب في كثير عددهم و اختلاف عللهم و كلامهم، وهو سيد علمهم، وقد فاض بيانهم، و جاشت به صدورهم، وغلتهم قوتهم عليه عند أنفسهم، حتى قالوا في الحيات، والعقارب و الذئاب و الكلاب، والخنافس، والحمير و الحمام و كل ما دب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت