فهرس الكتاب

الصفحة 5028 من 7068

الأرض في اللفظ ألبته. و نظير هذا في التنزيل قوله تعالى:"و فجرنا الأرض عيرانا"التفجير للعيون في المعنى وواقع على الأرض في اللفظ كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشمول ها هنا مثل الذي حصل هناك.

و ذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، و أن الماء كان يفور من كل مكان فيها و لو أجرى اللفظ على ظاهره فقيل:"و فجرنا عيون الأرض"،"أو العيون في الأرض"لم يفد ذلك، ولم يدل عليه، و لكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، و تنبجس من أماكن فيها" [دلائل الإعجاز للجرجاني ص79 ـ80] ."

من هذا النص يتضح لنا أن عبد القاهر يرجع جمال الاستعارة و شرفها ور وعتها في القرآن الكريم إلى نظمها العجيب البديع، و كم كنت أود أن يتناول هذا الأديب الذواقة الصور و الألوان البلاغية في القرآن بهذه العبارة الفياضة و بتك الطريقة البيانية الرائعة التي تشف عن الجمال الأخاذ و الإعجاب الرائع الذي يكمن في هذه الصور، و ينبع من نظمها العجيب الذي لا يقدر على مثله بشر، و لكنه وقف عند لمحة من لمحاته الجزئية شأنه في ذلك شأن غيره من بلغاء عصره.

من روائع التشبيه في القرآن الكريم:

قال تعالى:"إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فأختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس و الأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها و أزينت و ظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلًا أو نهارا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس"سورة يونس 24

شبه القرآن حال الدنيا في سرعة تقضيها و انقراض نعيمها، و اغترار الناس بها، بحال ماء نزل من السماء و أنبت أنواع العشب، وزين بزخارفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها، و ظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة فكأنها لم تكن بالأمس.

تأمل بعقلك و خيالك و ذوقك نظم الآية الكريمة أنها مكونة من عشر جمل لو سقط منها شيء اختل التشبيه، وانظر إلى هذه الجمل تجد كل جملة تعبر عن مشهد من مشاهد الحياة الدنيا، و قد رتبت ترتيبا عجيبا ً كان كل جملة منها تلد التي تليها، وقد تكونت كل جملة من طائفة من الكلمات تألفت بأصواتها و ظلالها و أجراسها فعبرت أصدق تعبير عن المشهد الذي استقلت به، أن نظمها أو حرفا بأخر اختل بمقدار، بحيث إذا أخرت أو قدمت أو غيرت كلمة بأخرى أو حرفا بآخر اختل المعنى، و تبعثرت مشاهد الصورة الدنيوية.

قال تعالى:"مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيء مما كسبوا" [سورة إبراهيم: 18] .

الذين كفروا في ضياعها، و ذهابها إلى غير عودة بهيئة رماد تذروه الرياح و تذهب به بددا إلى حيث لا يتجمع أبدأ.

تأمل نظم الآية تجد كل كلمة قارة في مكانها، مطمئنة في موضعها لا تشكو قلقًا و لا اضطراب، معبرة في دقة و صدق عن معناها، و تأمل تناسق الكلمات و تألقها، و

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت