فهرس الكتاب
لقد نشب صراع حاد و عنيف بين علماء البلاغة حول الصور والألوان البلاغية في القرآن الكريم، هل هي معجزة أو غير معجزة؟
ففريق منهم يرى أنها معجزة، و يجعلها من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وفريق يرى أنها غير معجزة، و ينفي أن تكون من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، ومن هذا الفريق"أبو بكر الباقلاني."
و المسألة تحتاج إلى بحث و تحقيق، وفي هذا الفصل من البحث سأقوم بتحقيقها، و إظهار وجه الصواب فيها فأقول طالبًا العون و التوفيق من الله وحده:
إن هذه الصورة و الألوان معجزة في القرآن، وإعجازها راجع إلى نظمها، فالقرآن الكريم كما سبق أن وصحنا معجز بنظمه، و هذه الصور و الألوان قد اقتضاها هذا النظم المعجز فأصبحت جزءا منه فتكون معجزة و لقد أشار إلى ذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني عندما تعرض لتوضيح الاستعارة في قوله: تعالى"و أشتعل الرأس شيبًا"فقال:"إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم و الوقوف على حقيقته."
و من دقيق ذلك و خفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى:"و اشتعل الرأس شيبًا"لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم نيسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزية موجبًا سواها، هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، و ليس الأمر على ذلك، و لا هذا الشرف العظيم، و لا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة و لكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ما يسند إليه، و يؤتي بالذي الفعل له في المعنى منصوبًا بعده، مبينا أن ذلك الإسناد، و تلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني، و لما بينه و بينه من هذا الاتصال و الملابسة كقولهم: طاب زيد نفسًا وقر عمرو عينا، و تصبب عرقًا، و كرم أصلًا، و حسن وجهًا و أشباه ذلك مما تجد منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه، و ذلك أنا نعلم أن"اشتعل"للشيب في المعنى، و أن كان هو الرأس فقط، كما أن ما أسند إليه، يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك و توخى به هذا المذهب، أن تدع هذا الطريق فيه، و تأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحًا فتقول:"اشتعل الرأس"أو"الشيب في الرأس"، ثم تنظر هل تجد ذلك الحس، و تلك الفخامة.؟ و هل ترى الروعة التي كنت تراها؟ فإن قلت: فما السبب في أن كان"اشتعل"إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل، ولم بأن بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟ فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس، الذي هو أصل المعنى، الشمول، وأنه قد شاع فيه، وأخذه من نواحيه، وأنه قد استقر به، و عم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا ما لا يكون إذا قيل:"أشتعل شيب الرأس"أو"الشيب في الرأس بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة، ووزان ذلك أن تقول: اشتعل البيت عليه، و أخذت في طرفيه ووسطه، و تقول": اشتعلت النار في البيت"فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه، و أصابتها جانبًا منه، فأما الشمول، وأن تكون قد استولت على البيت، و ابتزته فلا يعقل من اللفظ التفجير للعيون في المعنى، ووقع على"