فهرس الكتاب
البحر الزاخر من حركة و تموج و اضطراب. تأمل اللفظة المستعارة أنها في إطار نظم الآية المعجزة قد استقلت برسم هذا المشهد الفريد بصوتها و جرسها و إيحائها.
قال تعالى:"آلر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور"سورة إبراهيم
استعير في الآية الكريمة الظلمات للضلال بجامع عدم الاهتداء في كل منها .. و استعير النور بجامع الاهتداء في كل منها. و هذا المسلك الأدبي يسميه علماء البلاغة"الاستعارة التصريحة الأصلية".
هذه الاستعارة الفردية تجعل الهدى و الضلال يستحيلان نورًا و ظلمة. إنها تبرز المعاني المعقولة الخفية في صورة محسوسة، حية متحركة كأن العين تراها و اليد تلمسها.
تأمل كلمة"الظلمات"إنها تصور لك بظلامها الضلال ليلًا دامسًا يطمس معالم الطريق أمام الضلال فلا يهتدي إلى الحق ثم تأمل الدقة القرآنية في جمع"الظلمات"أنه يصور لك إلى أي مدى ينبهم الطريق أمام الضلال فلا يهتدون إلى الحق وسط هذا الظلام المتراكم.
ثم تأمل كلمة"النور"أنها بنورها تصور لك الهداية مصباحًا منيرًا ينير جوانب العقل و القلب و يوضح معالم الطريق أمام المهتدي فيصل في سهولة و يسر إلى الحق فينتفع به فيطمئن قلبه و تسكن نفسه و يحظى بالسعادة في دنياه و أخراه.
من روائع الكناية في القرآن الكريم
قال تعالى:"نساؤكم حرث لكم"لقد كنى القرآن الكريم في هذه الآية بكلمة"الحرث"عن المعاشرة الزوجية.
إن هذه الكناية الفردية مما انفرد به القرآن الكريم فهي لطيفة دقيقة راسمة مصورة، مؤدية مهذبة، فيها من روعة التعبير و جمال التصوير، و ألوان الأدب و التهذيب ما لا يستقل به بيان، و لا يدركه إلا من تذوق حلاوة القرآن. إنها عبرت عن العاشرة الزوجية التي من شأنها أن تتم في السر و الخفاء بالحرث و هذا نوع من الأدب رفيع وثيق الصلة بالمعاشرة الزوجية، و تنطوي تحته معاني كثيرة تحتاج في التعبير عنها إلى الآف الكلمات انظر إلى ذلك التشابه بين صلة الزراع بحرثه وصلة الزوجة في هذا المجال الخاص، و يبن ذلك النبت الذي يخرجه الحرث، و ذلك النبت الذي تخرجه الزوج، و ما في كليهما من تكثير و عمران و فلاح كل هذه الصور و المعاني تنطوي تحت كلمة"الحرث"أليست هذه الكلمة معجزة بنظمها و تصورها؟
هل في مفردات اللغة العربية ـ على كثرتها ـ ما يقوم مقامها و يؤدي ما أدته و يصور ما صورته. إن المعنى لا يتحقق إلا بها. و عن التصوير لا يوجد بسواها.
قال تعالى:"فاتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة"سورة البقرة.
هذه الآية كناية عن عدم العناية عند ظهور المعجزة. أي لا تعاندوا عند ظهور المعجزة فتمسكم هذه النار العظيمة تأمل هذه الكناية و مدى ما فيها من جمال التعبير، و روعة التصوير، و لطافة الإيجاز. إنها عبرت عن العناد عند ظهور المعجزة بالنار العظيمة، و هذا التعبير فيه ما فيه من شدة التنفيذ و قوة التأثير، ثم أن هذا