فهرس الكتاب
وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفًا على مؤثر مقتض ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه، وأدله على المراد. فقوله (إن في ذلك لذكرى) إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، وهذا هو المؤثر، وقوله: (من كان له قلب) فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين * لينذر مَن كان حيًا) . أي حي القلب. وقوله تعالى: (أو ألقى السمع وهو شهيد) أي وجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه، إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثير بالكلام. وقوله: (وهو شهيد) أي شاهد القلب، حاضرًا غير غائب. قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر، وهو القرآن، والمحل القابل وهو القلب الحي، ووجد الشرط وهو الإصغاء، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر، حصل الأثر، وهو الانتفاع بالذكر.
ثم يقول: (فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه الأشياء، فما وجه دخول أداة(أو) في قوله تعالى: (أو ألقى السمع) ، والموضع موضع واو الجمع، لا موضع (أو) التي هي لأحد الشيئين؟ قيل: هذا سؤال جيد. والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام (بأو) باعتبار حال المخاطب المدعو، فإن من الناس مَن يكون حي القلب واعيه، تام الفطرة، فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن، وأنه من الحق، وشهد قلبه بما أخبر القرآن، فكان ورود القرآن على قلبه نورًا على نور الفطرة، وهذا وصف الذين قال فيهم القرآن: (ويرى الذين أُوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق) .
4 ـ الدكتور عبدالكريم الخطيب ورأيه في الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم:
يقول الدكتور الخطيب: (إن كلمات القرآن التي كانت على فم الناس، كان لها رحلة إلى الملأ الأعلى من الأرض إلى السماء من أفواه الناس إلى عالم الروح، والحق والنور، وهناك في هذا العالم ـ عالم الروح والحق والنور ـ عاشت تلك الكلمات دهرًا طويلًا بين ملائكة، وولدان، وحور، فنفضت عليها هذه الحياة الجديدة روحًا من روحها، وجلالًا من جلالها، ونورًا من نورها، حتى إذا أذن لها الحكيم الخبير أن تعود أدراجها إلى الأرض وتلقى بأفواه الناس مرة أخرى، وتطرق أسماعهم، وتتصل بعقولهم وقلوبهم، لم ينكروا شيئًا من وجودها، وإن سرى إليهم من هذا الوجود ما يخطف الأبصار ويخلب الألباب، فالمؤمنون في شوق متجدد معه. وفي خير متصل منه، وفي عطاء موصول من ثمره، كلما مدوا أيديهم إليه قطفوا من أدبه أدبًا عاليًا، ومن علمه علمًا نافعًا، ومن شريعته دينًا قيمًا، وغير المؤمنين في عجب من أمره ودهش. يتناولونه بألسنة حداد، ويرمونه بسهام مسنونة، وبكيد عظيم. فما يصل إليه من كيدهم شيء) .
إن العبارة السابقة يحاول فيها الخطيب ن يضع أيدينا على هذا السر الذي جعل لكلمات القرآن على مَن يسمعه من الأثر الواضح ما لا نجده مما نسمعه من كلام آخر، فكلمات القرآن قد رحلت إلى الملأ الأعلى حينًا من الزمن، أعطاها هذا الرحيل