فهرس الكتاب
متوفرا لديهم بالصورة التي نراها عندنا، أو بالصورة التي تمكنهم من كتابة القرآن كله عليه ..
فكيف إذن يمكنهم حفظه لو نزل دفعة واحدة؟ هذا أمر عسير، ومن المتعذر على الإنسان أن يجد له حلا .. والله قد أخذ عباده بالتيسير عليهم: (لا يكلفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعَها) فلم يكن مفر من نزول القرآن مفرقا: (وقرآنًا فرقناهُ لتقرأه على النّاسِ على مُكثٍ) أي على مهل وتؤدة، (ونزلناه تنزيلا) متتاليًا لذلك. فإذا حفظوا اليوم ما نزل، ثم حينما ينزل شيء يحفظونه، ويضمونه إلى ما حفظوه من قبل كان الحفظ سهلا عليهم كما نفعل نحن اليوم ويفعل كل الناس والطبيعة واحدة والقدرة في جملتها واحدة.
ولو نزل القرآن جملة واحدة لنزل فيه الأمر بالعقائد والتشريعات كلها دفعة واحدة، وكان القوم سيعجزون وهم في أول أمرهم بالإسلام .. وفي حاجة إلى أخذهم بالرفق والتدريج، وقد رأينا كيف عالج القرآن أمرهم في شرب الخمر بالتدريج، ولو كانت الحكمة في غير التدريج لكان .. ولكن الله فعل ما تقتضيه حكمته القائمة على علمه بالنفوس، فهل كان يتسنى للقرآن الأخذ بهذه الحكمة، لو أنه نزل جملة واحدة؟ ّ!
حقيقة يولد الإنسان ويشب حتى يبلغ فيكلف بكل ما في القرآن، ولكنه مسلم وابن لمسلم، وشب وتربى في جو إسلامي وتعود في صغره على آداب الإسلام وتشريعاته، فلا يصعب عليه القيام بعد ذلك بتكاليفه .. فالأمر يختلف عمن ندعوه لينسلخ من شركه في بدء الدعوة لينضم لزمرة المؤمنين _والدعوة غريبة ولها أعداؤها .. فلا بد من التدرج في التكاليف بما يتناسب وحالة الداخلين الجدد في الإسلام.
وكثيرًا ما كان يسأل المؤمنون أو اليهود أو المنافقون أو المشركون، يسألون عن أشياء يريدون فهمها أو عن أشياء يريدون تعجيز الرسول وإظهاره بمظهر عدم العارف ليضعفوا من شخصيته ومهابته، وكان نزول القرآن مفرقا يتيح للرسول أن يتلقى الرد عليهم من جبريل بما يريد الله، ولذلك تجد كثيرًا في القرآن (يسألونك) أو (يسألك الناس) وتجد الرد بعد ذلك:
(يَسئَلونَكَ عَنِ الأهلَّةِ قُل هيَ مواقيتُ للنَّاسِ والحجِ ... ) .
(يَسئَلونكَ عن الخمرِ والميسرِ قُل فيهِما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للنّاسِ وإثمُهُما أكبرُ مِن نَّفعهما، ويسئَلونَكَ ماذا يُنفقونَ قُلِ العَفو) .
(يَسئَلُكَ النّاسُ عَنِ الساعةِ قُل إنَّما عِلمُها عِندَ اللهِ) .
وغير ذلك كثير حتى بلغ (يسألونك) نحو خمسة عشر سؤالا وجهت للرسول في أوقات متباعدة، ونزل القرآن للرد عليها، فهل كان يتسنى الرد عليها لو أن القرآن كان قد نزل قبل ذلك بسنوات دفعة واحدة؟.
وهكذا تتجمع هذه الحكم والأسباب التي نستظهرها حسب علمنا وإدراكنا لتجعل من نزول القرآن مفرقا هو عين الحق والصواب ممن هو أدرى من الخلق جميعًا بالحق والصواب ..
ولكن مما ينبغي معرفته مع ذلك أنه ليس معنى نزوله مفرقا أن كل آية منه نزلت على دفعة، بل معنى نزوله مفرقا أن نزوله كان على دفعات وأوقات استمرت من بدء