فهرس الكتاب
الثالثة: حقيقة خلق كل شيء من ماء، مصداق قوله تعالى في سورة الأنبياء: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) الآية 30.
الرابعة: حقيقة دوران النجوم، والكواكب في أفلاكها. مصداق قوله تعالى في سورة يس: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) الآية 40.
ولنا القول: بأن شبهة تمتع الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي النفسي لا تقوم على دليل، وتفقد كل مسوغ. بل هي في حد ذاتها من قبيل الهذيان النفسي الذي انتاب نفرًا من الضعفاء الحاقدين من أهل الكفر الذين لم يستطيعوا بأي حال من الأحوال أن ينكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو الوحي الإلهي بالقرآن له مصداق قوله تعالى في سورة الأعراف: (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي) الآية 203. والرسول صلى الله عليه وسلم بشر من الناس اختصه الله بالنبوة، فلم العجب، والأنبياء والرسل كلهم من البشر!! قال تعالى في سورة الكهف: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) الآية 110. وإنه صلى الله عليه وسلم بشر لا يملك لنفسه نفعًا، ولا ضرًا، ولا يعلم الغيب إلا بإيحاء من الله تعالى مصداق قوله تعالى في سورة الأعراف: (قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير) الآية 188.
وإنه صلى الله عليه وسلم يشهد على نفسه بالبشرية مصداق ما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن: «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خصومة بباب حجرته فخرج إليهم، فقال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمنن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو يتركها» .
ولعل من المفيد أن نختم الرد على هذه الشبهة بما قاله المفكر المسلم محمد عبدالله دراز في كتابه «النبأ العظيم» حيث يقول: «هذا الرأي هو الذي يروجه الملحدون اليوم باسم (الوحي النفسي) زاعمين أنهم بهذه التسمية قد جاؤونا برأي علمي جديد، وما هو بجديد، وإنما هو الجاهلي القديم، لا يختلف عنه في جملته، ولا في تفصيله، فقد صوروا النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا ذا خيال واسع، وإحساس عميق، فهو إذن شاعر، ثم زادوا، فجعلوا وجدانه يطغى كثيرًا على حواسه، حيث يخيل إليه أنه يرى ويسمع شخصًا يكلمه. وما ذاك الذي يراه ويسمعه إلا صورة خيلته ووجدانه، فهو إذن الجنون أو أضغاث الأحلام. على أنهم لم يطيقوا الثبات طويلًا على هذه التعليلات، فقد اضطروا أن يهجروا كلمة الوحي النفسي حينما بدا لهم في القرآن جانب الأخبار الماضية والمستقبلية، فقالوا لعله تلقفها من أفواه العلماء في أسفاره للتجارة، فهو إذن قد علمه بشر. فأي جديد ترى في هذا كله؟!! أليس كله حديثًا معادًا يضاهون به قول جهال قريش!! وهكذا كان الإلحاد في ثوبه الجديد صورة متسخة، بل ممسوخة منه في أقدم أثوابه، وكان غذاء هذه الأفكار المتحضرة في العصر الحديث مستمدًا من فتات الموائد التي تركتها تلك القلوب المتحجرة في عصور الجاهلية الأولى مصداق قوله تعالى في سورة البقرة: (كذلك قال الذين من قبلهم مثل