فهرس الكتاب

الصفحة 5063 من 7068

ولقد صعب على العرب ـ يومذاك وهم على البداوة الأولى ـ تحمل عبء القرآن الثقيل، فلم يطيقوه. ومن ثم تمنوا لو يبدل إلى قرآن غير هذا، ومعجزة أخرى لا تكون من قبيل الكلام: (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليّ) . إنها لم تكن معجزة للعرب فقط، وإنما هي معجزة للبشرية عبر الخلود، لكن أنى لأمة جهلاء أن تلمس تلك الحقيقة وأن تدرك تلك الواقعية سوى أنها اقترحت عن سفه: أن يفجر لهم من الأرض ينبوعًا، أو تكون له جنة من نخيل وعنب ويفجر الأنهار خلالها تفجيرًا، أو يسقط السماء عليهم كسفًا، أو يأتي بالله والملائكة قبيلًا، أو يكون له بيت من زخرف أو يرقى في السماء، ولا يؤمنوا لرقيه حتى ينزل عليهم كتابًا يقرؤونه ... وقد عجب النبي (ص) من مقترحه ذلك التافه الساقط، مما يتناسب ومستواهم الجاهلي، ومن ثم رفض اقتراحهم ذاك (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا) . أي ليس هذا من شأنكم وإنما هي حكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير.

قال الراغب الاصفهاني: المعجزات التي أتى بها الأنبياء (ع) ضربان: حسي وعقلي:

فالحسي: ما يدرك بالبصر، كناقة صالح، وطوفان نوح، ونار إبراهيم، وعصا موسى (ع) .

والعقلي: ما يدرك بالبصيرة، كالإخبار عن الغيب تعريضًا وتصريحًا، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلم.

فأما الحسي: فيشترك في إدراكه العامة والخاصة، وهو أوقع عند طبقات العامة، وآخذ بمجامع قلوبهم، وأسرع لإدراكهم، إلا أنه لا يكاد يفرق ـ بين ما يكون معجزة في الحقيقة، وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحرًا، أو سببًا اتفاقيًا، أو مواطأة، أو احتيالًا هندسيًا، أو تمويهًا وافتعالًا ـ إلا ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء.

وأما العقلي: فيختص بإدراكه كملة الخواص من ذوي العقول الراجحة، والأفهام الثاقبة، والروية المتناهية، الذين يغنيهم، إدراك الحق.

وجعل تعالى أكثر معجزات بني إسرائيل حسيًا لبلادتهم، وقلة بصيرتهم، وأكثر معجزات هذه الأمة عقليًا لذكائهم وكمال أفهامهم التي صاروا بها كالأنبياء. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (كادت أمتي تكون أنبياء) .

ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على وجه الدهر غير معرضة للنسخ، وكانت العقليات باقية غير متبدلة جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية. وما أتى به النبي (ص) من معجزاته الحسية، كتسبيح الحصا في يده، ومكالمة الذئب له، ومجيء الشجرة إليه فقد حواها وأحصاها أصحاب الحديث.

وأما العقليات: فمن تفكر فيما أور6ه (ع) من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأمم بأوجز عبارة اطلع على أشياء عجيبة.

ومما خصه الله تعالى به من المعجزات القرآن: وهو آية حسية عقلية صامتة ناطقة باقية على الدهر مبثوثة في الأرض، ولذلك قال تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين. أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) ودعاهم ليلًا ونهارًا مع كونهم أولي بسطة في البيان إلى معارضته،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت