فهرس الكتاب
4 ـ وهكذا تشريعاته جاءت حكيمة ومتينة، متوافقة مع الفطرة ومتوائمة مع العقل السليم ... في طهارة وقداسة وسعة وشمول، كانت جامعة كاملة كافلة لإسعاد الحياة في النشأتين.
5 ـ وكانت براهينه ساطعة ودلائله ناصعة، واضحة ولائحة، قامت على صدق الدعوة وإثبات الرسالة ... في بيان رصين ومنطق رزين وفصل خطاب.
6 ـ واشتماله على أنباء غيبية، إما سالفة كانت محرفة سقيمة، فجاءت محررة سليمة في القرآن الكريم، أو إخبار عما يأتي، تحقق صدقها بعد فترة قصيرة أو طويلة، كانت شاهدة صدق على صدق الرسالة.
7 ـ إلى جنب إشارات علمية، عابرة، إلى أسرار من هذا الكون الفسيح، والماعات خاطفة إلى حقائق من خفايا الوجود، مما لا تكاد تبلغه معرفة الإنسان العائش يومذاك.
8 ـ وأخيرًا استقامته في البيان، وسلامته من أي تناقض أو اختلاف، في طول نزوله، وكثرة تكراره لسرد حوادث الماضين، كل مشتمل على مزية ذات حكمة لا توجد في أختها. وكذا خلوه عن الأباطيل وعما لا طائل تحتها.
تلك روائع آراء نتجتها أنظار الأدباء، وبدائع أسرار وصلت إليها أفكار العلماء، كانت من وجوه إعجاز القرآن ومزاياه الوسيمة، سوف نسرد عليك تفاصيلها في مجالها الآتي إن شاء الله.
9 ـ لكن هناك وجه آخر يجعل من الإعجاز أمرًا خارجيًا عن جوهر القرآن بعيدًا عن ذاته، وإنما هو لعجز أحدثه الله في أنفس العرب والناس جميعًا، ومنعهم دون القيام بمعارضته قهرًا عليهم. وهو القول بالصرفة، الذي عليه بعض المتكلمين الأوائل ومن لف لفهم من الكتاب الأدباء. (( وهو قول باطل ) )
الإعجاز في مفهومه
محمد هادي معرفة
الإعجاز: مصدر مزيد فيه من (عجز) إذا لم يستطع أمرًا، ضد (قدر) إذا تمكن منه. يقال: أعجزه الأمر، إذا حاول القيام به فلم تسعه قدرته وأعجزت فلانًا: إذا وجدته عاجزًا أو جعلته عاجزًا.
والمعجزة ـ في مصطلحهم ـ تطلق على كل أمر خارق للعادة، إذا قرن بالتحدي وسلم عن المعارضة، يظهره الله على يد أنبيائه ليكون دليلًا على صدق رسالتهم.
وهي تتنوع حسب تنوع الأمم المرسل إليهم في المواهب والمعطيات، فتتناسب مع مستوى رقيهم في مدارج اكمال، فمن غليظ شديد إلى رقيق مرهفن ومن قريب مشهود إلى دقيق بعيد الآفاق. وهكذا كلما تقادمت الأمم في الثقافة والحضارة فإن المعاجز المعروضة عليهم من قبل الأنبياء (ع) ترق وتلطف، وكانت آخر المعاجز رقة ولطفًا هي أرقاها نمطًا وأعلاها أسلوبًا، ألا وهي معجزة الإسلام الخالدة، عرضت على البشرية جمعاء مع الأبد، مهما ارتقت وتصاعدت في آفاق الكمال، الأمر الذي يتناسب مع خلود شريعة الإسلام.