فهرس الكتاب
أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال.
وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، ثم تحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم فمحال ـ أكرمك الله ت أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة (مدة رسالته صلى الله عليه وآله) على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفون ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه.
التحدي في خطوات:
لقد تحدى القرآن عامة العرب، مذ نشأ بين ظهرانيهم، وهم لمسوه بأناملهم فوجدوه صعبًا على سهولته وممتنعًا على يسره، فحاولوا معارضته ولكن لا بالكلام، لعجزهم عنه، بل بمقارعة السيوف وبذل الأموال والنفوس، دليلًا على فشلهم عن مقابلته بالبيان.
وربما كانوا بادئ ذي بدء استقلوا من شأنه، حيث قالوا: (لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) وقالوا: (إن هذا إلا قول البشر) وقالوا: (إنما يعلمه بشر) وقالوا: (ما انزل الله على بشر من شيء) إلى أمثالها من تعابير تنم عن سخف وهامهم. لكن سرعان ما تراجعت العرب على أعقابها، فانقلبوا صاغرين، وقد ملكتهم روعة هذا الكلام وطغت عليهم سطوته، متهكمًا بموقفهم هذا الفاشل، ومتحديًا في مواضع.
(أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون. فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) . وحدد لهم لو ياتوا بعشر سور مثله مفتريات فيما كانوا يزعمون (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) .
وتصاغرًا من شأنهم تنازل أن لو استطاعوا أن يأتوا بسورة واحدة من مثله: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم) .
وأخيرًا حكم عليهم حكمه البات (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) أن ليس باستطاعتهم ذلك مهما حاولوه وأعدوا له من حول وقوة، لأنه كلام يفوق كلام البشر كافة.
والآن وقد حان إعلان التحدي بصورته العامة، متوجهًا به إلى البشرية جمعاء، تحديًا مستمرًا عبر الأجيال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا) .
وهل وقع التحدي بجميع وجوه الإعجاز، أم كان يخص جانب فصاحته وبلاغته وبديع نظمه وعجيب أسلوبه فحسب؟