فهرس الكتاب
وهنا إن كان المتكلم يستطيع فرض طقوس العبادة، فأنى له أن يفرض على من يخاطبهم أن يستعينوا به.
فالمُكَرهُ على الأمر يعمل بحدود ما يُكره على فعله دون أن يزيد عليه أو يتجاوزه.
وهكذا فإنّ ثمة خللًا بلاغيًا واضحًا في النص، فالجمل لا تعدو كونها نظمًا تركيبيًا توليفيًا لا يقوم على روابط معنوية متينة أو ضوابط بلاغية صحيحة.
متابعة لما بدأناه من دراسة بلاغية لما يسمى"الفرقان الحقّ"، نقف على الآية الأولى من السورة التي حملت اسم"سورة الفاتحة".
والسورة هي الأولى ترتيبًا في الكتاب، فهي"حسب التسمية"فاتحته والمدخل إليه.
و {براعة الاستهلال} كما يسميها البلاغيون تقتضي أن تحوي فاتحة الكتاب عبارات موجزة وإشارات دالة يستطيع القارئ بواسطتها أن يفهم مضمون الكتاب المقدم على قراءته. وفاتحة الكتاب (مقدمته) يجب أن تتميز بالتركيز والإيجاز والاعتماد على اللمحة الدالة والإشارة الموحية تمهيدًا لما يطرحه من فكر وما يحويه من موضوعات، وما يتضمنه من معان.
فلنتأمل الآية الأولى في فاتحة هذا الكتاب ويقول نصها:
هو ذا الفرقان الحق نوحيه فبلغه للضالين من عبادنا
وللناس كافة ولا تخش القوم المعتدين
هذا الكتاب ... حضور وغياب!!
أول ما يطالعنا في عبارة"هو ذا الفرقان الحق"الضمير"هو"وهو ضمير منفصل يستخدم للدلالة على الغائب.
ثم تأتي"ذا"وهي اسم إشارة يستخدم أحيانًا مقترنًا بهاء التنبيه فنقول هذا وأحيانًا من غير هذه الهاء فنقول ذا وهو اسم يستخدم للإشارة للقريب.
والإشارة لا تكون إلا لأمر كائن موجود يشار إليه، فكيف اتفق مجيء"هو"وهو ضمير للغائب مع"ذا"وهو اسم إشارة لموجود قريب؟!
ولربما قيل: إن الضمير"هو"في هذا الموضع هو ما يسمى"ضمير الشأن"، كقولنا: هو خالد قادم أي: الشأن خالد قادم، أو الأمر خالد قادم.
وفيه إضمار لسؤال من يسأل: ما الأمر؟ أو ما الشأن؟
فتجيبه: الشأن كذا ... أو الأمر كذا ...
وهنا يمكن القول:
إن ضمير الشأن يفيد التفخيم والتعظيم، وهذا وارد في معرض تفخيم الفرقان وتعظيمه، ولكن جاء بعد ضمير الشأن هذا اسم الإشارة (ذا) وهو للإشارة إلى قريب"كما قلنا"، هذا يعني أن المشار إليه دانٍ من أيدينا، قريب منها، سهل المتناول ...
ومقام التفخيم والتعظيم كان يستدعي - بلاغيًا - أن نضيف إلى"ذا"لام البعد التي تفيد السمو والعلو والرفعة فيقال (ذلك) .... !!!
قضية الوحي