في مرحلة التأسيس الدعوي في الستينات والسبعينات في حلب الشهباء كان الشيخ يأمر بالالتفات إلى العمل والبناء والجدّ، وينهى عن إضاعة الوقت والقيل والقال والانشغال بالصغائر، وافتعال المعارك الجانبية التي تستقطب الجهد وتضيع الوقت بدون طائل. وكان يرى أن الأمة بحاجة إلى البناء، وأن الشخصية المسلمة وقد حطمت من عهود الانهزام الطويلة بأمس الحاجة إلى استعادة الثقة بنفسها، وأن على قادة الجماعة أن يضعوا الخطط والبرامج لبناء الشخصية الإسلامية العامة الواثقة بنفسها.
كان يشدد النكير على الغلو والغالين ولا سيما من الذين يتنطعون بالحديث عن تقمص مكانة (جماعة المسلمين) قال لسائل ادعى أمامه يومًا أن (جماعة الإخوان المسلمين) تمثل جماعة المسلمين رادًا قوله (إن جماعة المسلمين أنا وأنت وهذا الحداد وذاك النجار والخباز .. كل هؤلاء الناس هم جماعة المسلمين)
وعلى الصعيد التنظيمي ومع رغبة الشيخ الملحة في الانصراف بكلّيته إلى الجانبين العلمي والدعوي، اضطر أكثر من مرة أن يستجيب لرغبة إخوانه فيتحمل منهم بعض المسؤوليات التنظيمية، فكان أن تولى منصب المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية، ثم سريعًا ما تخلى عنه، عندما وجد من يتولاه، ثم ألجئ مرة أخرى إلى تولي هذا المنصب سنة 1986 عندما عصفت بالإخوان ريح الخلاف الداخلي.
جوانب من شخصية الشيخ
من كان اغترافه من بحر أكمل الخلق كيف تعدد خصال كماله؟!!. فقد كان الشيخ أبو زاهد رحمه الله تعالى دمث الأخلاق لطيف المعشر حلو العبارة أنيق المظهر، يتأنق في لبسه وهيئته ومجلسه ويأخذ من حوله بذلك إلى تواضع العلماء وأدب جم. ويمثل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بشخصيته القوية المتميزة، شخصية العالم المسلم العامل المجاهد، فهو واسع العلم، رحب الإطلاع، يعيش قضايا أمته وعصره، يضع هموم المسلمين نصب عينيه، مدركًا كل الأبعاد التي تحيط بهم، وهو مع اتصافه بكل ما تقتضيه شخصيته العلمية، من رزانة وهيبة ووقار، حلو الحديث، رشيق العبارة. قريب إلى قلوب جلسائه، يأسرهم بحسن محاضرته، وطيب حديثه، وبعد غوره، مع حضور بديهة، وحسن جواب، فلا غرو بعد ذلك أن تلتقي عليه الجموع، وتتعلق به النفوس وأن يكون موضع الحب والتقدير، والثقة لدى جميع من خالطه من إخوانه وأحبابه، وهو إلى جانب ذلك بعيد عن الغلو والانفعال يزن الأمور بميزانها الشرعي الدقيق، وقد أخذ بذلك نفسه وتلامذته.
لا يستقبل أحدًا من جلسائه بما يكره، وإن استُقبل بذلك أغضى وأعرض، لا يسمع نميمة، ويصرف وجهه إذا لم يعجبه الحديث، أو يشير بيده إلى محدثه أن تعداه.
كان في فتواه العامة رحمه الله تعالى آخذًا بالعزائم يشدد في أمر الدين والورع، فإذا ما شعر أن المستفتي بحاجة إلى رخصة دعاه إلى لقاء منفرد يرخص له ما ييسر عليه أمره.
كان الوقت أغلى عنده من المال على قلب الشحيح، يقول وهو يشير إلى ما وضع في جدول أعماله من كتب وأبحاث (أنا رأس مالي قليل) يقصد السنوات الباقية من عمره فقد كان يعدها رأس ماله الحقيقي.