فهرس الكتاب
كسب أعوان لهم، فعمدوا إلى الوضع في الحديث، فاختلقوا على رسول الله صلى الله عليه سلم ما لم يقل، فكان مبدأ ظهور الوضع في الحديث منذ ذلك الوقت.
وقد انتدب الصحابة للمحافظة على الحديث، واجتهدوا في ذلك متبعين أقصى وأحكم ما يمكن من وسائل البحث والفحص الصحيحة.
ومن ذلك أنهم:
أولا: عنوا بالبحث في إسناد الحديث وفحص أحوال الرواة بعد أن كانوا من قبل يرجحون توثيق من حدثهم.
ثانيًا: حث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث عن الرواة، وألاّ يأخذوا إلا حديث منْ يُوثق به دينًا وورعًا، وحفظًا وضبطًا، حتى شاعت في عرف الناس هذه القاعدة:
إنما هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذونها.
ثالثًا: الرحلة في طلب الحديث، لأجل سماعه من الراوي الأصل والتثبت منه. وقد وافتنا أخبار رحلاتهم بالعجيب المستغرب، إذ بلغ بهم الأمر أن يرحل الرجل في الحديث الواحد مسافة شاسعة، على الرغم مما كان في مواصلاتهم من المشقات والتعب.
رابعًا: ومن طرق معرفة الوضع والضعف في الحديث عرض حديث الراوي على راوية غيره من أهل الحفظ والإتقان.
الدور الثاني: دور التكامل.
اكتملت علوم الحديث في هذا الدور، إذ وجدت كلها واحدًا واحدًا، وخضعت لقواعد يتداولها العلماء وذلك من مطلع القرن الثاني إلى أول الثالث.
فقد جدّت في هذا العصر أمور أهمها:
1 -ضعف ملكة الحفظ عند الناس.
2 -طالت الأسانيد وتشعبت بسبب بُعد العهد وكثرة حملة الحديث، حيث حمل الحديث عن كل صحابي جماعات كثيرة تفرقوا في البلاد، فكثرت الأحاديث ودخلتها العلل الظاهرة والخفية.
3 -كثرت الفرق المنحرفة عن جادة الصواب والمنهج الذي كان عليه الصحابة والتابعون.
فنهض أئمة الإسلام لمواجهة هذه الضرورات ووضعوا لكل طارىء ما يسد الثغرة التي حصلت. ومن ذلك:
1 -التدوين الرسمي، فقد أحس عمر بن عبد العزيز بالحاجة الملحة لحفظ كنوز السنة، فكتب إلى الأمصار أن يكتبوا ما عندهم من الحديث ويدونوه حتى لا يضيع بعد ذلك.
2 -توسع العلماء في الجرح والتعديل وفي نقد الرجال لكثرة شيوع الضعف من جهة الحفظ، ومن جهة انتشار الأهواء والبدع.
3 -توقفوا في قبول الحديث ممن لم يعرف بالتحديث.
4 -تتبعوا الأحاديث لكشف خباياها، ووضعوا لكل صورة جديدة قاعدة تعرفها وتبين حكمها، فتكاملت أنواع الحديث ووجدت كلها واتخذت اصطلاحاتها الخاصة.