فهرس الكتاب

الصفحة 6461 من 7068

مرحومٌ رحمةً عامة برسالة الإسلام؛ لأن تمسك المسلمين بدينهم وتطبيقهم لتعاليمه، يخفف الله به شر الكافرين، ويخفف الله به منابع فساد المفسدين، قال الله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين {البقرة:251} .

وقد أنزل الله على نبيّه أعظمَ كتاب، وأنزلَ عليه أعظمَ تفسيرٍ للقرآن الكريم وهو السنّة النبويّة، وحفِظَ الله القرآن والسنة من التغيير والتّبديل، وحفظهما من فاسِدِ الآراء والتأويل الباطل، وأقام الله الحجّةَ على العالمين بسيِّد المرسَلين عليه أفضل الصلاة والتسليم، وهدَى الله نبينا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم إلى أحسَن الهَدي، ويسَّره لأحسنِ السّبل وأسهل المناهج، قال الله تعالى لنبيّه: ونيسرك لليسرى {الأعلى:8} ، وروى مسلمٌ من حديث جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة" (1) .

وقد وفَّى النبيّ صلى الله عليه وسلم مقاماتِ العباداتِ كلَّها ومراتبَ الدّين، وفضائل الأعمال والخصال المحمودة والأخلاق المرضية، قد وفَّى هذه الأمورَ كلَّها حقَّها، وأتى بالغايةِ في ذلك كلِّه، فرسول الله هو القدوةُ للعابد، والقدوةُ للداعية، والقدوة للمعلِّم، والقدوةُ للحاكم، والقدوة للقائد، والقدوةُ للجنديّ، والقدوةُ للزّوج وللأب، والقدوةُ في المعاملات وفي كلّ حالٍ يتقلّب فيه الإنسان، قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا {الأحزاب: 21} ، وقال تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم {القلم: 4} ، قالت عائشة رضي الله عنها:"كان خلقه القرآن" (2) ، أي: يعمَل به في كلّ صغيرةٍ وكبيرة، ويتَّصف ويعمَل بما يدعو إليه القرآن، ويجانبُ ما ينهى عنه القرآن.

وسنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم معالم هُدى في الصراط المستقيم، يقتدي بها المسلمون، ولقد جمعت سنةُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الفضائل كلّها والخيراتِ والكمالاتِ كلَّها، فمن عمل بالسنة فقد جمع الله له الخير كله، ومن ترك السنةَ فقد حُرم الخيرَ كلَّه، ومن ترك بعضَ السنة فقد فاته من الخير بقدرِ ما ترك من السنة النبوية.

وإذا كانت هذه منزلة السنة النبوية، وهذا فضلها ومكانها السني وشرفها العلي، فما معنى هذه السنة؟

السنة- يا عباد الله- معناها في اللغة: الطريق المسلوك والعادة المتَّبعة، قال تعالى: سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا {الإسراء: 77} .

ويرادُ بالسنة في الشرع: التمسكُ والعمل بما كان عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هو وخلفاؤه الراشدون المهديون وصحابتُه السابقون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، كما يُرادُ بالسنة أقوالُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأفعالُه وتقريراته؛ لأن ذلك أصلُ الاعتقاد والعمل.

أمة الإسلام، إنَّ الحال التي وصل إليها المسلمون يحزن لها قلبُ كلّ مؤمن، وتدمع العين، وتأسى النفس، فقد تكالب عليهم الأعداءُ، ونال هؤلاء الأعداءُ من المسلمين ما يغيض المسلمين في كل مجال، واستهانوا بحقوقهم وتجرءوا عليهم واستخفوا بقيمهم، وتمادوا في الظلم والعدوان عليهم، ومزَّقت المسلمين نزعات التعصب المذهبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت