فهرس الكتاب
والمناهج الحزبية، والقوميات الجاهلية والبدع المحدثة، وأضعف المسلمين تناحرهم وتفرقهم والأهواءُ الضالة واتباع الشهوات المحرمة، وليس ذلك الضعفُ والانحطاط والذُّل لقلة عدد المسلمين، فهم أكثرُ أهل الأديان عددًا، وإنما مُصابُ المسلمين بالتقصير في العمل بدينهم، قال الله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال {الرعد:11} .
وإنّ الوضع الذي عليه المسلمون اليومَ من كيد أعدائهم لهم، وإنزالِ أنواع البلايا والمِحَن عليهم، إنّ تِلك الحالَ وذلك الوضع قد أيقظَ الهِمَمَ العالية، وأوجب النصائحَ الصادِقة أنِ ارجعوا- أيها المسلمون- إلى ربِّكم، وتوبوا إلى بارئكم، وتمسَّكوا بدينكم، واعملوا بكتابِ ربِّكم وسُنَّة نبيكم، يرحمكم ربُّكم ويرفَع ما نزل بكم.
وإنَّ أسباب أمراضَ المسلمين قد كثُرت، وإن أسبابَ انحطاطِهم قد تعدَّدت، ومصائبهم قد توالت والعقوبات قد عظُمت، وقد يزداد الأمرُ سوءًا ولكنَّ العاقبةَ للإسلام.
إنَّ أدواءَ المسلمين ليس لها دواءٌ إلاَّ السنَّة النبوية، إنَّ اتباعَ سنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمسّك بمنهج السلف الصالح، عِلاجُ الأمراض وزوالُ المكروهات ونزُول البركات والخيرات، والتمسُّك بالسنة هو الاجتماع ونَبذ الخلافات وتوادُّ القلوب واتفاق النيات، والتمسُّك بالسنة هو النصرُ على أعداء الحقِّ، وعلى أهلِ الغيّ والشهوات، قال بعض أهل العلم:"ما مِن بلدٍ يعمَل أهلُه بالسنّة وتظهر فيه أنوارها إلاَّ كان منصورًا ظاهرًا على عدوِّه، وما مِن بلدٍ تنطفئ فيه أنوارُ السنة إلاَّ غلَب عليه عدوُّه". وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله:"جُعِل رزقي تحتَ ظلِّ رمحي، وجُعلت الذِّلَّة والصّغار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم" (3) ، وروى أبو داود والترمذي عن العرباض بن سارية -رضي الله عنه-، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً وجلت منها القلوبُ وذرَفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظةُ مودِّع فأوصنا، قال:"أوصيكم بتقوى الله والسمعِ والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد، فإنّه من يعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتيّ وسنةِ الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كلّ بدعة ضلالة" (4) .
إنّ الدعوةَ للسنّة النبوية هي للناس كلِّهم، ففرضٌ على كلّ مسلم أن يقومَ بذلك، فدعوةُ المسلم لأخيه المسلم بتكميل نقصِ تمسُّكِه بالسنة، واستدراكِ ما فاته مِن العمل بالسنة، وجَبر تقصيرِه في دينه وتذكيره بغفلته وتعليمه ما يجهله، ومعاونته على الخير وتحذيره من الشر، ودعوةُ المسلم للكافر ببيان محاسنِ الإسلام وإقامة الحجّة عليه، وأن يكونَ المسلم قدوةً صالحة في دينه.
وأنتم- أيها المسلمون- في هذه البلاد عافاكم الله مما ابتُلِيت به بعض البلدان من كثير من الشرور، فاحمدوا الله على ذلك، ولكن احذَروا أن تفتَحوا على أنفُسكم أبوابَ الشرِّ الذي فُتِح على غيركم، فإن الأمة ما تزال بخير ما لم تفتح على نفسها باب الشرِّ، فإذا انفتح باب شر فلن يُغلق، واعتبروا بما وقع فيه العالَم من الفتن التي يرقق بعضها بعضا، والتي أفسدت الحياة ودمرت المجتمعات، والسعيد من وُعِظَ بغيره والشقيُّ من وُعِظَ به غيره، واحذروا التهاونَ بالذنوب، فإنها سببُ العقوبات، وليكُن المسلم في