فهرس الكتاب

الصفحة 6499 من 7068

النخل ولم يصلح، وحدثوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، قال لهم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) .

2 -... وأما ما أثاروه من منزل جيش المسلمين في غزوة بدر؛ فقد كان ذلك بناء على رأي رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن ذلك عن وحي، وهذا بيِّن واضح، فإنه لما سأله أحد أصحابه - رضي الله عنهم - قائلًا: (أهذا منزل أنزلكه الله يا رسول الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:(بل هو الرأي والحرب والمكيدة) ، ولما أشار عليه صاحبه بمنزل أفضل انتقل اليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فكون ذلك ليس عن وحي واضح. فلا يصح الاستشهاد به في مجال نفي الوحي فيما هو وحي.

3 -... وأما مسألة الأسرى في بدر، فهي قد جمعت بين الرأي والوحي. فقد كان الرأي أولًا، ثم أعقبه الوحي بعد ذلك. وقضية الأسرى ببدر توضح لنا أمرًا هامًا قد لا يتوفر في كثير غيرها من قضايا التشريع. فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ في أسرى بدر بالرأي، فاستشار أصحابه - رضوان الله عليهم-، فكل أدلى برأيه، ثم مال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرأي القائل باستحيائهم وأخذ الفداء منهم، وكان هذا رأي أبي بكر - رضي الله عنه -، وكان رأي عمر - رضي الله عنه - أن يقتل الأسرى جميعا - وبعد أن استقر الأمر على ذلك نزل الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبين ما كان ينبغي أن يفعل في مسألة الأسرى، ويبين الصواب في القضية. يقول الله - سبحانه - في شأن فعل الرسول في أسرى بدر: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة. والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا واتقوا الله. إن الله غفور رحيم (( الأنفال:67 - 69) .

فقضية الأسرى بدأت بالرأي، ثم انتهت بالوحي. وهذه القضية بجملتها شاهدة على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يقول ولا يفعل - فيما يتصل بالدين - إلا بوحي من عند الله - سبحانه -، وأن الله - سبحانه - لا يدع رسوله - صلى الله عليه وسلم - على غير صواب، حتى في حالة تصرفه برأيه واجتهاده وذلكم هو الأمر الهام الذي نَوَّهنا به قبلا، وخلاصته أن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله في أمور الدين وحي، حتى ولو قال برأيه. لأنه إن قال أو فعل برأيه وكان صوابًا موافقا لأمر الله أقره الله - تعالى - على ذلك. وكان إقرار الله - سبحانه - له دليلًا على موافقة عمله لمراد الله - تعالى - فيكون وحيًا، وإن كان اجتهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس صوابًا موافقًا لمراد الله - سبحانه - فإن الله - تعالى - لا يقره على ما قال أو فعل اجتهادًا، بل يصوب له ويصحح. وذلك كما حدث في أسرى بدر. حيث نزل فيها القرآن مصوبًا؛ وكما حدث في أوائل سورة " عبس " حيث نزل القرآن معاتبًا .. وهكذا يتضح أن واقعة أسرى بدر شاهدة بأن السنة وحي من عند الله تعالى -، وأن الله - سبحانه - يحيط أقوال وأفعال رسوله بالوحي حتى ولو اجتهد برأيه.

وفيصل الأمر في القضايا الثلاث التي أثاروها شبهة من شبهاتهم ظانين أنها دليل على أن السنة النبوية ليست وحيًا؛ أن ما يصدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نوعان: نوع يفعله بمقتضى بشريته - صلى الله عليه وسلم -، دون أن يوحى إليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت