فهرس الكتاب

الصفحة 6500 من 7068

فيه بشيء، وهذا النوع لا صلة له بالتشريع، وذلك في جل شؤونه المعيشية التي لا يتعلق شيء منها بالدين حلًا أو حرمة ومن ذلك رأيه في تأبير النخل. ونوع آخر يفعله - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى كونه بشرا رسولًا، وفعله هذا إنما يقوم على وحي من قبل الله - تعالى. والأمران الأولان: تأبير النخل، ومنزل الجيش في بدر، من النوع الأول الذي فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيه. والأمر الثالث اجتهد فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأيه وآراء محل مشورته من الصحابة - رضوان الله عليهم -، فنزل الوحي مصوبًا ومبينًا الحكم الصحيح.

الشبهة الثالثة:

خلاصة هذه الشبهة قولهم: إن السنة لم تكن شرعًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم-، ولم يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تكون سنته مصدرًا تشريعيًا للدين، وما قال شيئًا أو فعله بقصد التشريع، ولم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته أن يكون ثمة مصدر تشريعي سوى القرآن المجيد. بل كان مصدر التشريع عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو القرآن وحده، وكذلك فهم الصحابة - رضوان الله عليهم -، وجاء عهد التابعين الذين بدأت فيه فتنة القول بالسنة، وأنها مصدر من مصادر التشريع، وكانت تلك قاصمة الظهر بالنسبة للدين، حيث دخل فيه ما ليس منه، واختلط بالوحي الصحيح الخالص الذي هو القرآن، ما ليس من الوحي بل هو كلام البشر، نعني بذلك سنة النبي.

وهم يزعمون أن لهم أدلة على ذلك. منها:

1 -... أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أصحابه بكتابة القرآن الكريم، وحضهم على ذلك، ونهى أصحابه عن كتابة شيء من السنة قولًا كانت أو فعلا، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (1) .

2 -... أن الصحابة - رضوان عليهم - عرفوا من النبي (أن السنة ليست شرعًا فأهملوا كتابتها وحفظها، رغم اهتمامهم الشديد بكتابة القرآن المجيد على كل ما يصلح أن يُكْتب عليه.

3 -... أن كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنهم الخلفاء الراشدون - كانوا يكرهون رواية الأحاديث، ويحذرون منها، وكان عمر - رضي الله عنه - يهدد رواة الحديث ويتوعدهم، وقد حبس عمر بن الخطاب عددًا من الصحابة بسبب روايتهم للحديث تنفيذًا لوعيده وتهديده إياهم بعدم رواية الحديث.

الرد على الشبهة وتفنيدها:

هذه شبهتهم، وتلك أدلتهم عليها، والشبهة ساقطة، وأدلتها أشد منها سقوطا وافتراء. فالأمة المسلمة مجمعة سلفًا وخلفًا وحتى قيام الساعة - بحول الله تعالى - على أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. وقد أقمنا الأدلة وافية - بفضل الله - على أن السنة وحي من الله - سبحانه - على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكون السنة وحيا من عند الله - تعالى - قاطع وكاف بذاته على أنها شرع الله - تعالى - إلى الناس، فهي المصدر الثاني للتشريع بلا ريب .. ولكنا نزيد الأمر وضوحًا، ونرد على ما زعموه أدلة على شبهتهم تلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت