فهرس الكتاب

الصفحة 6512 من 7068

إن الله - عز وجل - أنزل القرآن الكريم بلفظه ومعناه، فالقرآن كلام الله - سبحانه-، لذا كان جديرًا بأن يحفظه الله - سبحانه - ويصونه أن يحرف أو يبدل، ولأن القرآن كذلك لم تجز روايته بالمعنى.

أما السنة فهي وحي الله - تعالى - إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أوحى الله - تعالى - بما فيها من أحكام وتشريعات إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم صاغها النبي بكلامه. ولأن السنة ليست كلام الله - تعالى - فقد أجاز العلماء روايتها بالمعنى، ولم يطلق العلماء هذا الحكم بلا ضوابط أو حدود، بل وضعوا لراوي الحديث بالمعنى ضوابط وشروطًا بحيث لا تجوز روايته الحديث بالمعنى إلا إذا توفرت فيه هذه الضوابط والشروط.

ورأس هذه الشروط أن يكون عارفًا بالعربية، عالمًا بألفاظها، ومدلولات تلك الألفاظ، بصيرًا بعلاقات الألفاظ بعضها ببعض من ترادف واشتراك وتباين وغير ذلك. فإن كان الراوي على هذا العلم جاز له رواية الحديث بالمعنى، لأن في معرفته بالأمور التي ذكرناها أمانًا من الخطأ في معاني الأحاديث التي يرويها. وإن لم تتوفر له هذه الشرائط فلا تجوز له الرواية بالمعنى.

أما الزعم بأن الله - تعالى - لم يحفظ سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن كان المراد أنه - تعالى - لم يحفظها بألفاظها. فهذا مسلم، وقد بينا أن السنة ليست بحاجة إلى نفس الألفاظ، بل الحاجة إلى معانيها المنضبطة ولو رويت بألفاظ أخرى لا تخل بالمعنى. وقد روى الخطيب البغدادي أن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت لعروة بن الزبير"بلغني أنك تكتب الحديث عني، ثم تعود فتكتبه، فقال لها: أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قال: لا، قالت: لا بأس بذلك" (2) . فالمعنى إذا كان بنفس اللفظ أو انضبط بألفاظ مشابهة فلا بأس به.

أما إن كان المراد أن الله - تعالى - لم يحفظ السنة مطلقًا لا بألفاظها ولا بمعانيها، وأنها ضيعت؛ فذلك كذب وافتراء على الله - تعالى - وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الأمة المسلمة، وجحد ونكران لجهود عظيمة مميزة قام بها علماء السنة عبر تاريخ الإسلام.

والحق أن الله - سبحانه - تكفل بحفظ كتابه، ومن خلال حفظ كتابه تكفل الله - تعالى - ضمنيًا بحفظ سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ذلكم أن الكتاب بحاجة إلى السنة التي تبينه، كما قال - عز وجل: (وأنزلنا إليك الذكر لتبيَّن للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (( النحل:44) . فالسنة ضرورية للكتاب، وهي إلى جانب الكتاب ضروريان للدين. فمن حفظ الله - تعالى - كتابه أن يحفظ السنة التي تبينه وتفصله، فإن القرآن بحاجة إليها ومن حفظ الله - تعالى - دينه كي يعرفه الخلق الذين كلفهم الله به، ويحاسبهم عليه، أن يحفظ كتابه وسنة نبيه، فإن الدين بحاجة إليهما. لذلك كان من قدر الله - سبحانه - أن هيأ لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء الأعلام الذين بذلوا في حفظ السنة ما لم يعرف له تاريخ العلوم والثقافات مثيلا من قبل ولا من بعد. وما كان ليتم لهم ذلك إلا بتوفيق من الله - تعالى - وهداية وتأييد. فقد ابتدعوا نظامًا لحفظ السنة، ومعرفة صحيحها بدرجاته، من الضعيف بدرجاته، من الموضوع. واخترعوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت