فهرس الكتاب
الحكم من الأصل إلى الفرع بعلة متحدة: فيه إشارة إلى أركان القياس التي جرى بيانها في تحليل التعريف الأول، والمراد بلفظ متحدة ما أريد بلفظ المساواة في التعريف الأول نفسها، أي أن تكون العلة متمكنة في الفرع بمقدار تمكنها في الأصل، ولا تكون أولى منها.
لا تدرك بمجرد اللغة: أي لا تعرف بمجرد الوضع اللغوي لألفاظ حكم الأصل، فلو كان دليل حكم الأصل شاملا لها بمجرد الوضع اللغوي لكان هذا الدليل دليلا على إثبات الحكم للفرع بطريق مباشر، ولا حاجة معه إلى القياس، والمقصود بهذا القيد إخراج دلالة النص عند الحنفية، وهي ما يسميه الشافعية مفهوم الموافقة، فإنها ليست من القياس في شيء، وبذلك يكون هذا التعريف تلافي القصور الذي تضمنه التعريف الأول، فكان جامعا مانعا.
ومن أمثلة دلالة النص قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (الإسراء:23) ، فإن لفظ (أف) يشمل الضرب في أصل الوضع اللغوي لهذا اللفظ، لأن الضرب تأفف وزيادة، فكان الضرب ممنوعا بنص الآية مباشرة لا بطريق القياس على التأفف، وكانت الآية دليلا أصيلا على التأفف ودليلا أصيلا على الضرب، دون قياس أحدهما على الآخر.
مذاهب الفقهاء في القياس وحجيته:
قدمنا في أول باب مصادر التشريع أن المصدر الأصلي لهذه الشريعة هو قول الله تعالى، ولا مصدر غيره، وأثبتنا أن السنة الشريفة والإجماع علامتان قطعيتان على قول الله سبحانه وتعالى وحكمه، فكانا مصدرين بعد القرآن الكريم لذلك، وهنا نقول إن القياس مصدر من مصادر الشريعة، فعلينا أن نثبت دلالته على حكم الله تعالى، وإلا فما كان لنا أن نجعله مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي.
ولا بد لنا قبل التعرض لأدلة حجية القياس أن نبين مدى اعتبار الفقهاء للقياس، وأخذهم به، فالفقهاء في حجية القياس على مذاهب ثلاثة هي:
1 -مذهب جماهير العلماء، وهو الاحتجاج بالقياس مطلقا، ولهم على ذلك أدلة من النقل والعقل.
2 -مذهب ابن حزم والنظّام والخوارج وبعض الشيعة، وهو إسقاط الاحتجاج بالقياس مطلقا ومنعه، ولهم على ذلك أدلة أيضا.
3 -مذهب القاشاني والنهرواني وداود بن علي الأصفهاني، وهو أن القياس ليس حجة إلا في صورتين فقط هما:
أ - أن ينص الشارع في حكم الأصل على العلة القائمة في الفرع باللفظ أو الإيماء، كأن يقول: إنما حرمت الخمر للإسكار، فعندها يصح قياس البيرة والنبيذ وكل المشروبات الأخرى التي يتيقن فيها الإسكار على الخمر، وإلا فلا.
ب - أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل، لأن العلة فيه أقوى منها في الأصل وآكد، كقياس الضرب على التأفف في قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا