فهرس الكتاب
فإن قيل: الاجتهاد الذي أقر الرسول صلى الله عليه وسلم معاذا عليه قد يكون بغير القياس الذي نحن بصدده، فقد يكون المراد به إعمال العقل في الاستنباط من النصوص الخفية الدلالة، أو الحكم بالبراءة الأصلية عند عدم وجود الدليل المانع، أو المراد به القياس على المنصوص على علته، فإنه يجاب بأن الاستنباط من المنصوص الخفية الدلالة إنما هو إعمال للنصوص وليس زيادة عليها، فكان ذلك مما في الكتاب والسنة، والاجتهاد في حديث معاذ إنما ورد على ما ليس في الكتاب والسنة، وأما حكم البراءة الأصلية، فإنه ثابت أيضًا بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام:145) ، فكان مما في الكتاب والسنة أيضًا، وبالتالي ليس هو المراد بالاجتهاد في حديث معاذ.
فبقي المراد من الاجتهاد في هذا الحديث القياس، وقد جاء مطلقًا، وهو يشمل ما كان منصوص العلة وغير منصوصها على حد سواء، والقاعدة أن المطلق يبقى على إطلاقه حتى يظهر دليل التقييد، ولم يظهر فيبقى هنا على إطلاقه، فيكون القياس الذي نحن بصدده داخلًا فيه ومدلولًا عليه به.
فان قيل: ذلك حكم خاص بمعاذ لا يتعداه إلى غيره، أجيب بأن الأصل عدم الخصوصية، إلا أن يثبت دليل عليها، وهنا لم يثبت دليل الخصوصية، فيبقى عاما للمسلمين جميعًا، ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة) .
ثم إنما أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا على القياس للحاجة إليه عند فقدان الدليل، والحاجة ماسة إليه في كل عصر، ولكل قاض وفقيه، فكان ذلك دليلًا على عدم الخصوصية.
فإن قيل إن هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:3) ، فإنها جاءت بعده بيقين، ثم إنه كان محتاجًا إليه في أول الأمر لعدم تمام القرآن الكريم والسنة، فلما تمت بهذه الآية لم يعد له من حاجة، أجيب بأن تمام الدين إنما كان من حيث الأصول والأحكام العامة والقواعد الأصلية، لا من حيث الفروع والتفصيلات من تلك النصوص الإجمالية أو الكلية، لأن الفروع غير متناهية، فكانت الحاجة إلى القياس من هذا الوجه مستمرة بعد الآية كالحاجة إليه قبلها، فلم تكن الآية ناسخة له، وإلا فما هي الحاجة إلى الإجماع وإلى الأحكام التي وردت عن طريقه مما لا نص فيه في القرآن الكريم والسنة الشريفة، مع أن الإجماع حجة بالإجماع.
هذا مع الإشارة إلى أن موافقة النبي صلى الله عليه وسلم ورضاه عن قياس معاذ لم يقيد بزمن دون زمن، بل كان مطلقًا، والمطلق يجب أن يبقى على إطلاقه ما لم يقيد.
ج - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيس بنفسه كثيرًا من الأحكام، ويذكر عللها، والرسول صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لنا وقدوة في كل أعماله وأقواله، فكان ذلك منه دليلًا على صحة القياس هنا، من ذلك حديث الخثعمية التي سألته عن جواز