فهرس الكتاب

الصفحة 6671 من 7068

الحج عن والدتها فأجابها: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: بلى، قال: فدين الله أحق أن يقضى) ، فإنه صلى الله عليه وسلم قاس دين الله الذي هو الحج على دين العباد في صحة أدائه من غير المدين عن المدين.

ولكن يمكن أن يناقش هذا الدليل ويرد عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشرع، فلا يقتدي به في هذه الأمور، لأنه لا يقر على خطأ خلافا لنا، ثم إن بيان العلة من الرسول صلى الله عليه وسلم هنا ليس من باب القياس، إنما هو من باب علة الحكم مع الحكم، ليكون أوقع في النفس وأدخل في القبول، وهو رد قوي وسليم، ولو لم يكن هناك دليل غيره لسقط مذهبهم، ولكن بحمد الله وفضله هنالك أدلة كثيرة غيرها سالمة من أي مطعن، صامدة أمام كل شبهة كالطود، كما نحن بصدده.

د - عمل الصحابة: ذلك أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يعملون بالقياس عند عدم النص، حتى بلغ ذلك مرتبة التواتر عنهم، والعادة تقضي بأن مثل ذلك العمل من قبل الجمع الغفير لا يمكن ولا يحصل إلا إذا كان مستندًا إلى دليل قاطع، وإن كان هذا الدليل غير معلوم لدينا بالتعيين، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها:

أولا) ما روى عن أبي بكر الصديق ? من أنه سئل عن الكلالة ما معناها، فتلمس الدليل على ذلك من القرآن الكريم والسنة فلم يجد، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان: الكلالة ما عدا الوالد والوالد، ومعلوم أن الرأي أصل القياس، والقياس فرع منه.

ثانيا) ما روي عن عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم بعد ما أرسل أبا موسى الأشعري صلى الله عليه وسلم واليًا على البصرة، وكتب إليه كتابا طويلًا فيه كثير من الحكم والأسس، جاء فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور برأيك) ، فهو دليل ظاهر على أمره له بالقياس.

ثالثا) ما روي عن ابن عباس ? من إنزاله الجد منزلة الأب في حجب الإخوة من الميراث، وتشنيعه على زيد بن ثابت ? الذي يشرك الجد مع الاخوة ولا يحجبهم به خلافًا للأب، وقوله ?: (ألا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أبا الأب أبًا) ، وهو يشير بذلك إلى أن ابن الابن يحجب كل من يحجب بالابن، سواء بسواء في مذهب زيد.

فإن قيل: إنه إلى جانب عمل كثير من الصحابة بالقياس ثبت عن كثير من الصحابة رفض القياس وذمة والتشنيع على من عمل به، حتى إنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أنه شنع على من عمل بالقياس، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مازال أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتى كثرت فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما قد كان، فضلوا وأضلوا) ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم قياسهم دليلًا على ضلالتهم).

كما ثبت عن عمران ? قال: (إياكم وأصحاب الرأي، فانهم أعداء السنة الشريفة، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا) ، والرأي أصل القياس. فإنه بجاب عنه بأنه ثبت عن الصحابة ذم القياس كما ثبت عنهم العمل به والثناء عليه، بل إن كثيرًا من الذين ثبت عنهم ذمه ثبت عنهم العمل به كما تقدم، فكان لابد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت