فهرس الكتاب

الصفحة 6672 من 7068

من التوفيق بين هذه الدلالة وذلك، بحمل النهي على القياس الفاسد القائم على الهوى، أو القائم في مقابلة النصوص، وحمل العمل على القياس الصحيح المستوفي للشروط.

أدلة الظاهرية ومن والاهم ممن رد الاحتجاج بالقياس:

أ) قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل:89) ، إذ معنى ذلك أن الأحكام كلها مستفادة من الكتاب موجودة فيه، فلا حاجة إلى غيره، والقياس إنما هو إثبات لأحكام لم توجد في الكتاب، فكان غير محتاج إليه لذلك.

ولكن يجاب على هذا بأن القرآن الكريم تبيان لكل شيء أي بمعناه ولفظه لا بلفظه فقط، لأن التبيان يتعلق بكليهما، والثابت بالقياس داخل في معنى النص من الأصل، إذ القياس مظهر للحكم لا منشئ له من جديد، فيكون القياس على ذلك دالًا على حكم المقيس بطريق التبيان، وعلى ذلك يكون حكم الله تعالى في المقيس عليه موجودًا في الكتاب لفظًا، وحكمه تعالى في المقيس موجود معنى، وفي ذلك تعظيم لكتاب الله وعمل به لفظًا ومعنى، وهو لاشك أولى من العمل باللفظ وإهمال المعنى كما يفعل أهل الظاهر ومن والاهم، وبذلك يسقط دليلهم من أصله، وينقلب النص على هذا التوجيه عليهم لا لهم.

ب) تشنيعه صلى الله عليه وسلم على بني إسرائيل لقياسهم ما لم يكن على ما كان، وقد تقدم هذا الدليل في معرض تعليل دليل الجمهور، وبينا الرد الكافي عليه.

ج) لا حاجة إلى القياس أصلا، ولكن إن كان في الكتاب أو السنة الشريفة أو إجماع رجعنا إليه، وإلا تمسكنا بحكم البراءة الأصلية، فإنه ممكن، وقد دعانا إلى التمسك به الله سبحانه وتعالى حيث قال في كتابه العزيز: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام:145) ، فإن الله سبحانه وتعالى اعتبر في هذه الآية أن كل ما لم يذكر له حكم في الشريعة بأنه محرم لا يمكن اعتباره محرمًا، فيبقى على حكم الإباحة والبراءة الأصلية.

ولكن يجاب عن ذلك بأن العمل على إثبات حكم الإباحة فيما لا دليل عليه عمل بلا دليل، والآية الكريمة لا تدل عليه، لأن إباحة الله سبحانه وتعالى ما عدا ما ذكر من أنواع المحرمات لم يكن لعدم وجود دليل على تحريمها، ولكنه مستند إلى دليل آخر هو قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة:29) ، فإن هذه الآية هي دليل الإباحة، وليس حكم البراءة الأصلية دليلها.

دـ) الحكم حق الشارع، وهو قادر على البيان القطعي، فلا حاجة إلى إثبات الحكم بالدليل الظني وهو القياس، إذ القياس دليل ظني عند الجمهور، ثم هو تصرف فيما هو من حق الله تعالى، لقوله سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (الأنعام:57) ، فكان ممنوعًا لذلك.

ولكن يجاب عن ذلك بأن الظن كاف في حق العمل، وهو أيضًا تصرف في حق الله تعالى، ولكن بإذنه، فلم يكن ممنوعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت