هـ) إن أحكام الله تعالى لا مدخل للعقل في إدراك معناها، وإلا فما هي العلة في جعل صلاة الظهر أربعًا، والمغرب ثلاثا، والعشاء أربعًا، وما معنى فرضه علينا صيام رمضان دون غيره من الشهور ... ، وما كان كذلك شأنه امتنع القياس عليه.
ويجاب عن ذلك بأن مالا يمكن للعقل أن يدركه لا نقول فيه بصحة القياس مثلكم، ولكن لا نسلم بأن أحكام الله تعالى كلها كذلك، بل بعضها معقول المعنى وبعضها غير معقول المعنى، ونحن نقول بالقياس في القسم الأول دون القسم الثاني، فلم يبق محل للاعتراض علينا بذلك.
أركان القياس وشروطه:
يتضح من تعريف القياس السابق أن له أركانا أربعة يقوم بها ويتألف منها، وهذه الأركان الأربعة هي: المقيس ويسمى الفرع، والمقيس عليه ويسمى الأصل، والحكم وهو المراد تعديته من الأصل إلى الفرع، ثم العلة وهي الجامعة بين الأصل والفرع، وأكثر الأصوليين على الدمج بين الركنين الثاني والثالث في ركن واحد يسمونه حكم الأصل وهو ما سوف نسير عليه في بياننا لشروط الأركان.
ولكل ركن من هذه الأركان شروط خاصة به لابد من توافرها فيه لصحة القياس، فإذا فات واحد منها بطل القياس ولم يثبت حجة شرعية آنئذ.
وهذه الشروط هي:
أ) شروط حكم الأصل: حكم الأصل هو الأثر الشرعي الثابت في مسألة يراد قياس غيرها عليها، ولحكم الأصل سبعة شروط هي:
1 -أن يكون حكما شرعيًا، لأن القياس الشرعي إنما يختص به، ولا علاقة له بالقياسات العقلية أو اللغوية، والحكم الشرعي ما كان نصًا شرعيًا.
2 -أن يكون ثابتًا بنص من الكتاب أو السنة الشريفة أو الإجماع لا غير، فإذا كان ثابتًا بالقياس، امتنع القياس عليه، لأن العلة الجامعة بين هذا الفرع وأصله إن كانت هي نفسها الجامعة بين ذلك الأصل وأصله، كان القياس على هذا الأصل عبثًا، إذ عندها يمكن القياس على الأصل الأول، مثل ذلك قياس البيرة عل النبيذ في الحرمة بجامع الإسكار في كل، مع العلم بأن النبيذ ثبتت حرمته قياسًا على الخمرة لعلة الإسكار في كل أيضًا، ففي هذه الحال يكون قياس البيرة على النبيذ عبثا لا حاجة إليه، لأنه يمكن قياس البيرة على الخمرة مباشرة لاتحاد العلة، وهي الإسكار في كل.
وإن كانت العلة في القياس الثاني غير العلة في القياس الأول، كان القياس الثاني باطلًا، كقياس وجوب النية في الوضوء على وجوبها في التيمم، بجامع الطهارة في كل، مع العلم بأن النية في التيمم ثبتت قياسا على الصلاة، بجامع العبادة في كل، فهو باطل، لاختلاف العلة بين القياسين، مما يتعذر معه قياس الوضوء على الصلاة مباشرة، لاختلاف العلة بينهما.
3 -أن يكون دليل حكم الأصل غير شامل لحكم الفرع، فلو كان شاملا له لكان القياس عبثًا لا حاجة إليه، لأن حكم الفرع هنا مأخوذ من النص مباشرة، فلا حاجة إلى القياس معه، لأن القياس إنما يحتاج إليه عند غياب النص، فلا حاجة إليه معه، مثاله قياس البنات على الذكور في حق أمر الآباء لهم بالصلاة وهم أبناء سبع، وضربهم عليها وهم أبناء عشر، لأن أمر الذكور بها ثبت بقول النبي صلى الله عليه