وهذا اختلاف واسع لا محل لتفصيله هنا، بل المهم هنا هو بيان أن العلة هي الوصف أو المعنى الذي شرع الحكم عنده تحقيقا للمصلحة، سواء كان هذا الوصف مؤثِّرا أو معرِّفا.
وللعلة شروط ثلاثة لابد من توافرها فيها لتصلح لتعددية الحكم من الأصل إلى الفرع، وهي:
1 -أن يدور الحكم معها في كل الأحوال، ولا يتخلى عنها في بعض الأحوال، كقياس النبيذ على الخمر في التحريم، فإن العلة هي الإسكار، وهي موجودة في الخمرة مع النبيذ في كل أحوالهما، ولذلك كان القياس صحيحا، فإذا تخلف عنها الحكم في بعض الصور كان القياس باطلا، مثاله مسألة الرجم، فإنه معلل بالزنا، ولكن الزنا لا يصلح علة للقياس، لأن حكمه وهو الرجم يتخلف عنه في بعض الصور، منها زنا غير المحصن، فإنه لا يرجم، ولذلك لا يقاس عليه غيره.
وينبغي أن يتنبه هنا إلى أن ما أخرج عن الحكم بدليل خاص لا يضر في عدم الدوران هذا، مثل استثناء شهادة خزيمة من اشتراط التعدد في الشهود، فإنه لا يؤثر في صحة العلة، وتبقى معه صالحة للنقل فيما عدا حدود المستثنى.
2 -أن تكون العلة مطردة منعكسة مع حكمها، بحيث يلزم من وجودها وجوده ومن عدمها عدمه في كل الحالات، أي أن تكون سببا له، وإلا لم يصح النقل بها، ومثال العلة غير المنعكسة المشقة المطلقة في السفر، فإنها علة لقصر الصلاة، وإباحة الفطر، ولكنها غير منعكسة، بدليل أن المسافر مدة القصر له أن يقصر وأن يفطر ولو لم يشق الصوم أو الصلاة عليه، فكان انعدامها غير مؤثر في زوال الحكم المترتب عليها، ولذلك عدل عنها إلى ما هو مظنة لها، فأقيم مقامها، فجعل السفر مدة معينة قائما مقام المشقة الفعلية في وجوب القصر وإباحة الفطر وغير ذلك.
3 -أن تكون ظاهرة منضبطة: فإذا كانت العلة خفية لم يجز النقل بها، مثل الإرادة الباطنة في العقود، فإن المدار عليها في الصحة والفساد، ولكن لخفائها ألغيت وأنيط تصحيح العقود وإبطالها بما هو مظنة لها، وهو الإيجاب والقبول، وكذلك إذا كانت ظاهرة ولكنها غير منضبطة، مثل المشقة في السفر، فإنها غير منضبطة، إذ تختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الظروف والقرائن، ولذلك ألغيت وأنيط الحكم بما هو مظنة لها، وهو السفر مدة معينة كما تقدم.
مراحل طرق إثبات العلة:
نحتاج في إثبات العلة وجعلها صالحة لتعددية الحكم إلى دراسة نقاط ثلاث، هي:
1 -معرفة علة حكم الأصل، والوقوف عليها من بين الأوصاف التي تحيط بها،، مثل الخمرة فإن لها أوصافا كثيرة، منها أنها مائع، ومنها أنها ملونة، ومنها أنها مسكرة، ومنها أنها لاذعة الطعم، .. فأي هذه الأوصاف هو علة التحريم، وهذا البحث عن العلة في حكم الأصل ودليله يسمى تنقيح المناط.
2 -معرفة مدى توفر العلة الثابتة في الأصل في الفرع، وهل هي موجودة فيه أملا،، وهل هي فيه مساوية لها في الأصل أم لا. وهذا ما يسمى بتحقيق المناط.