فهرس الكتاب
فيها الفقاهات والأفهام، سواء في ذلك قوانين الشريعة الإسلامية، والقوانين الوضعية، كما هو معلوم لمن ألم بأوضاع التطبيقات القانونية.
وقد وقع الخلاف في عهده -صلى الله عليه وسلم- بين الصحابة في نص واحد وجهه إليهم جميعهم يوم بني قريظة ولم يعنف صلى الله عليه وسلم أحدًا من الفريقين، وها هي ذي المصادر الإسلامية فيها الكثير مما يرويه الفقيه من حديث صحيح لا شك في صحته عنده ثم يخالف مادل عليه ظاهر الحديث لقيام دليل آخر عنده على خلافه، أو لأن له فهمًا في النص غير الفهم الذي وقع لغيره، أو غير ذلك من الأسباب التي يطول شرحها، (( وموطأ مالك ) )مثال ظاهر لذلك، فقد روى فيه أحاديث كثيرة، ولم يعمل بظاهرها.
هذا كله وغيره كثير من الوجوه تبطل ادعاء تأخر تدوين الحديث عن تدوين الفقه، وتبطل زعم أن ذلك التأخر كان منشأ تفرق المذاهب الإسلامية الفقهية.
ثانيًا: التدوين وأثره في صحة الحديث
هذه دعوى اخترعها بعض غلاة المستشرقين من قديم، وأقام بناءها على وهم فاسد.
يقول هذا الزعم: أن الحديث بقي مائتي سنة غير مكتوب، ثم بعد هذه المدة الطويلة قرر المحدثون جمع الحديث، وصاروا يأخذون عمن سمعوا الأحاديث، فصار هؤلاء يقول الواحد منهم: سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن لما أن الفتنة أدت إلى ظهور الانقسامات والفرق السياسية فقد قامت بعض الفرق بوضع أحاديث مزورة حتى تثبت أنها على حق.
وقد قام علماء السنة بدراسة أقسام الحديث ونوعوه إلى أقسام كثيرة جدًا، وعلى هذا يصعب الحكم بأن هذا الحديث صحيح أو هذا الحديث موضوع.
وقد سبق لنا في بحوث كتابة الحديث، وتأريخ الإسناد وشروط الرواة، التحقيق الذي يغني عن نقاش هذا الزعم، فنكتفي بهذه الخلاصات للرد عليه هنا:
1 -أن تدوين الحديث قد بدأ منذ العهد الأول في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وشمل قسمًا كبيرًا من الحديث.
وننه هنا ما يجده المطالع للكتب المؤلفة في رواة الحديث من نصوص تاريخية مبثوثة في تراجم هؤلاء الرواة تثبت كتابتهم للحديث بصورة واسعة جدًا تدل على انتشار التدوين وكثرته البالغة، حتى لقد يقع في ظن الباحث أن الحديث قد دُوِّنَ جميعُه منذ عهده المبكر (1) .
2 -إن تصنيف الحديث على الأبواب في المصنفات والجوامع مرحلة متطورة متقدمة كثيرًا في كتابة الحديث، وقد تم ذلك قبل سنة 200 للهجرة بكثير، بل أنه قد تم في أوائل القرن الثاني، بين سنة 120 - 130هـ (2) . بدليل الواقع الذي يحدثنا عن ذلك، فهناك جملة من هذه الكتب مات مصنفوها في منتصف المئة الثانية، مثل جامع معمر بن راشد (154) وجامع سفيان الثوري (161) وهشام بن حسان (148) وابن جريج (150) وغيرها كثير.
1.انظر على سبيل المثال فؤاد سيزكين في"تاريخ التراث العربي: 1:1: 231 وما بعد، وفيه نقول هامة وتتبع جيد."