فهرس الكتاب

الصفحة 6691 من 7068

لقد استحسن بعض المتزهدين الجهلة وضع الحديث في الترغيب والترهيب وقالوا:"نحن نكذب له"، والوعيد انما جاء لمن"كذب عليّ"، فجعلوا هذا العبث في النص الصريح ذريعة للاختلاق على النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنهم جهلوا أن فعل"كذب عليه"معناه ألصق به ما لم يقله، سواء أكان له أم طاعنًا فيه، وهكذا أدى التصور الخاطىء بهذه الطائفة إلى أن تتصور أن كل كلام صحيح فإنه قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم _فصاروا يسندون ما يشاؤون إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم_ وهو منه ومنهم براء.

وفي الطرف المقابل نهض أناس لرفض المتون الصحيحة لمجرد بعدها عن خيالاتهم ومألوفاتهم، كما فعل بعض المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، وإذا بهم يبلغون من الاسفاف مبلغًا عظيمًا، حيث راحوا يحتكمون إلى المشاهدات المادية المعتادة يقيسون عليها ما ورد من النصوص في عوالم مغيبة غير مادية، كالاحاديث في الملائكة أو الجن ينكرونها أو يتأولونها تأويلات هزيلة، حتى خرجوا بذلك عن نصوص الإسلام القطعية، بل عن الأديان السماوية، فلو رام أحدهم أن ينتقل إلى النصرانية لما وجد له فيها متنقلًا، أو إلى اليهودية لم يجد متسعًا ...

وهذا كله يثبت أبلغ إثبات أن نقد المتون ليس له بمفرده تلك الجدوى إلا إذا كان في ضمن الإطار العام لنظرية النقد الشامل الذي سلكه المحدثون وانتهوه.

5 -إن النقد الخارجي للأحاديث أي نقد الأسانيد الذي عابه العائبون وسموه شكليًا يتصل اتصالًا وثيقًا بالنقد الداخلي أي نقد المتون، لأن إثبات ثقة الرواة وكونهم جديرين بالثقة هذا الذي استخف به تسيهر وأشياعه عملًا شكليًا سطحيًا، بل انه مرتبط بالمتن ارتباطًا قويًا، وذلك لأن توثيق الراوي لا يثبت بمجرد عدالته وصدقه بل لا بد من اختيار مرويات بعرضها على روايات الثقات، فان وجدنا رواياتهم وافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتا.

وهذه كتب الجرح والتعديل ملأى بالجرح لرواية المناكير والأباطيل نسوق أمثلة لذلك من كتاب المغني في الضعفاء للإمام الذهبي:

-إبراهيم بن زكريا الواسطي. قال ابن عدي: حدث بالبواطيل. وقال أبو حاتم: حديثه منكر.

-إبراهيم بن زياد القرشي، عن خُصَيْفٍ، وعنه محمد بن بكار الريان بخبر منكر جدًا، ولا يدري من هو؟.

-إبراهيم بن زيد الأسلمي، عن مالك، وهاه ابن حبان والدارقطني، وله عن مالك خبر كذب.

-إبراهيم بن سالم النيسابوري. قال ابن عدي: له مناكير.

-إبراهيم بن سعيد المديني، منكر الحديث، ولا يكاد يعرف.

-إبراهيم بن سَلْمٍ، قال ابن عدي: منكر الحديث لا يعرف.

فهذه ست تراجم اخترناها من عشرة فقط من كتاب مختصر جدًا في نقد الرواة يأتي جرحهم بنقد مروياتهم. وذلك يوضح قوة ارتباط نقد السند بالمتن وعلاقته بمرويات الرواة علاقة وشيجة لا يصح أن يدور حولها جدال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت