فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 7068

التصرف، فقالتْ له: يا محمد، ما يمنعك من الزواج، فيجيبها قائلا: (ما عندي ما أتزَّوج به) فردت عليه قائلة: فإن كفيت ذلك، ودعيتَ إلى المال والجمال والشرف. فيسألها أن تفصح له عمن تقصد، فتخبره أنها خديجة، فتزوجها صلى الله عليه وسلم، فكانت له نعم الزوجة، وكان لها نعم الزوج.

وهناك جانب سلبي للشفاعة، ويحدث عندما يلجأ الخاطب إلى اصطحاب من يشفع له من أهل التقوى، أو من أصحاب الجاه والنفوذ. وكثيرًا ما يقبل وليُّ الأمر تزويج من يلي أمرها مجاملة لهؤلاء الشفعاء والوسطاء دون العودة إليها، وفي ذلك ظلم للمرأة يجب الحذر منه، فلا يبدى الولي رأيه إلا بعد رأي مولاته، فإذا تشفَّع شافع لخاطب ليس أهلا للقبول، فليعتذر إليه، ولا يقبل، فالله سبحانه سائل كل راعٍ عما استرعاه، أحفظ أم ضيَّع.

وقد شفع النبي صلى الله عليه وسلم لمغيث عند بريرة أن تُبقى على رباط زواجهما؛ لعلمه بحبه لها. فقد تزوج مغيث بريرة وكانا عبدين، وكان مغيث أسود، وكان يحبها حُبًّا شديدًا، فلما أُعتقتْ بريرة، هام على وجهه يستغيث بمن يقربها منه، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يمشي خلفها، ودموعه تجري على خديه، من فرط حبه لها، قال لها صلى الله عليه وسلم: (لو راجعتيه فإنه أبو ولدك) فقالت: أتأمرني يا رسول اللَّه؟ فقال: (لا، إنما أشفع) فقالت: لا حاجة لي به. فقال لعمه: (يا عباس. ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغضها له) [البخاري] .

النظر إلى المخطوبة:

حرص الإسلام على دوام العشرة بين الزوجين وحصول المودة والمحبة بينهما، وكذلك حصول السكن النفسي لكل منهما؛ ولذلك أباح نظر كل من الطرفين للآخر؛ حتى يطمئن إلى من سيختاره، على الرغم من تحريم النظر لغير حاجة، والأمر بغض البصر فيما سوى ذلك.

قال صلى الله عليه وسلم: (إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) قال جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-: فخطبتُ امرأة من بني سلمة فكنتُ أختبئ لها تحت الكُرَب (أي: بين النخيل) ؛ حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها. [أحمد، وأبوداود] .

ويجوز للرجل أن ينظر إلى من يريد خطبتها بإذن من وليها في حضور محرم، فإن تعذر ذلك، فإنه لا يشترط في النظر الإذن والسماح به. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أن ينظر إلى من يرغب في خطبتها، فقال: (اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما(أي: تحصل الموافقة والملاءمة بينكما) [النسائي، والترمذي] .

ويجوز للخاطب أن يرسل إلى المرأة من ينظر إليها- بغرض خطبتها- ثم يعود إليه بالخبر، فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أم سليم تنظر إلى جارية، فقال صلى الله عليه وسلم: (شُمِّي عوارضها(فمها) ، وانظري إلى عرقوبها (أسفل ساقيها مع القدم) [أحمد] .

وكما يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة، فإنه يجوز للمرأة -أيضًا- أن تنظر إلى المتقدم لخطبتها، ولها أن تنظر إليه فيما عدا عورته، وينظر الرجل إلى وجه المرأة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت